شعار قسم مدونات

لماذا صمت الفلسطينيون على اقتحام الأقصى؟ نظرة مفصّلة عن الحال

اقتحام المسجد الأقصى صباح اليوم
مستوطنون إسرائيليون يقتحمون ساحات المسجد الأقصى (الجزيرة)

على الرغم من الإعلان المسبق عن الاقتحام المجدول على أجندة الجماعات الصهيونية المدعمة بقوات الاحتلال الأمنية، والدعوات لجمع الحشود أسابيع قبل تاريخ الاقتحام المتبوع بالمسيرة، فإن الفلسطينيين كانوا شبه متيقنين من عدم قيام المسيرة والاقتحام، على الأقل ليس بالحيثيات التي شاهدنا. ويعزى شبه اليقين هذا إلى الأمل الفلسطيني المتراكم بفعل الهبات الشعبية التي لم تتوقف في السنوات القليلة الأخيرة، كلما كانت القدس بمسجدها المبارك وشوارعها العربية هي الهدف للجماعات الصهيونية. وهذا اليقين هو يقين المظلوم باقتراب النصر، وفيه تتجلى عزيمة الفلسطينيين على مقاومة هذه المخططات، فالنصر ليس نتيجة ممكنة في الحسابات الفلسطينية، بل هو نتيجة حتمية ينتظر كل فلسطيني وقوعها كما ينتظر المرء شروق الشمس. وهذا اليقين هو الدافع الأبرز لاستمرارية النضال الفلسطيني ضد المستعمر الغريب، والصبر على مرارة الأسر والتحامل على لوعة فراق الأحباب من المقتولين ظلما وعدوانا، وهو أطول نضال حيّ في العصر الحديث، يتوارث أهله واجب المقاومة خلفا عن سلف.

وقد تناقلت قنوات الإعلام العربية وكذلك الإسرائيلية أخبار الاقتحام. ووفق المعطيات، فإن أعداد المستوطنين المقتحمين تعدت 2600 مستوطن، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الاقتحامات، فالاقتحامات التي اعتاد الفلسطينيون رؤيتها كانت لا تزيد على عشرات المستوطنين، يدخلون الحرم المقدسي بخوف بيّن رغم كونهم مطوقين بالجنود المسلحين، وهو خوف الجبان الذي يحاول الظهور بمظهر الشجاع، فيفضحه أول طفل عربي يقابله في الطريق، وتفضحه صلاته بصوته الخافت المرتجف في المكان الذي يدّعي ملكيته، بل حتى ملامحه تشي بأنها قد وُضعت من غير مشورة منها لتغطي وجه كائن مبني من جُبن ممزوج بالحقد، تتفرس فيه فتخاله لعنة صُيرت إنسانا.

ولعل أحد أبرز المشاهد التي تبين حقيقة الخصمين، وعلى أي شيء تنطوي جوانب كل طرف من طرفي النزاع، كان مشهد مهاجمة شاب يهودي متطرف امرأة عربية مسلمة مُسنة في أزقة البلدة القديمة، هي المرابطة "عايدة صيداوي" المعروفة للمهتمين بالشأن المقدسي، المتابعين له. ألقى في وجهها قارورة ماء ثم انقض عليها فضربها وألقاها أرضا من غير اعتبار لكونها امرأة، ولا لكونها مسنة. مُظهرا أي المعادن هو معدنهم، وأي شيم هي شيمهم، بيد أن المشهد لم ينته هنا، والراوي المؤلف المُبدع لم يكن ليترك تلك المرأة المقهورة من دون أن ترى من ينتقم لها، فلم تمر إلا ثوان معدودات حتى هبّ المقدسيون لنصرة المرأة المظلومة، في مشهد هو العجب كله إذا أعطيته حقه من الملاحظة والتمحيص. فلم يعتد الناس في زماننا أن يروا مظلوما مقهورا تستفزه نخوته لنجدة مظلومة مقهورة مثله، فهو يشاطرها المظلومية ويقاسمها إياها. ولكن الشبان العرب بكل ما في صدورهم من "كرم مُحي وقتال" انتفضوا بالفعل، وبرزوا لمجموعة الشبان اليهود، وجازوا عدوانهم بالعدوان وعنفهم بالعنف وضربهم تلك السيدة بالضرب المذل المؤذي، حتى هُزم الجمع وولوا الدبر، والحناجر تصدح بالتكبير، والهواء تراه يتعمد إفساح الطريق لحجارتهم تصطاد المحتل وتطارده منطلقة من أيد عربية لا تزال رطبة من أثر الوضوء نحو فلول المدبرين من الإسرائيليين، هي إلياذة شبه يومية يؤلفها الفلسطيني بفعاله قبل أقواله، تخرّ أمام بلاغتها صروح الأدب وتقصر عن تأليفها مصانع الخيال.

ولكن الواقع، ونهاية هذا المشهد بكل ما تحمله من تنفيس للغيظ وما تبثه في نفس المُتابع للأحداث من الرضا، ليسا فعلا ما أُوصدت عليه دفة قصة هذا اليوم. فانظر معي ما يمرّ به الفلسطينيون في هذا الواقع.

يجهل أكثر العرب خارج حدود فلسطين التحديات الشاقة والأثمان الباهظة التي يتكفلها الفلسطينيون في سبيل الصمود على الحق والثبات على المبدأ والذود عن الشرف والعرض، كما يظهر في نشرات الأخبار والمقاطع المتناقلة في رحاب الشبكة. فإن مما يقض مضاجع الكل الفلسطيني أكبر من بكثير من اقتتال عابر بين حشدين من الشبان، القدس والداخل المحتل على وجه التحديد، منطقتان تعانيان من غياب القيادة الرشيدة عن المشهد، القيادة التي بوجودها يقدر المجتمع الفلسطيني أن يطمئن أنه سائر وراء قيادة مقدامة وفية للشعب، وفية لإرادته، ووفية لأهدافه وقضيته، تدفعه للصدام متى صحَّ الصدام وتدفعه عنه متى صح ذلك. فإن كل ما يراه متابعو الأخبار من الرباط والمقاومة والتعاضد الاجتماعي والاقتصادي في هذه المناطق، ليس إلا جهدا ذاتيا وجماعيا ناتجين عن مبادرات ذاتية وجماعية شعبية، بل إن جزءا غير قليل من القيادات العربية في هاتين المنطقتين بالذات يعمل على تفريق الحشود المتظاهرة، وإبطال المناوشات التي يجر إليها الفلسطيني رغما عنه في أكثر المواقف؛ مما يجعل الفلسطيني الثائر مضطرا لمقاومة شعور خذلان الأخ والحيرة الناجمة عن صحة الفعل إلى جانب مقاومة بغي المحتل.

وخذها أيها القارئ من ابن البلد الذي يستوعب واردات الأحداث بحواسه مباشرة قبل أن تلتقطها أي عدسة وينشرها أي موقع، واعلم أن أكثر الأسرى والأسيرات وعوائل الشهيدات والشهداء يُنسون من قبل العالم برهة بعد أن تخفت من حولهم الهالة الإعلامية، فيُتركون يتكلفون الفواتير الباهظة لقاء مقاومتهم، إما بالاعتقالات الإدارية من غير مثول أمام محكمة، والتي تمتد قدر ما شاءت قوات الاحتلال أن تمتد، وإما بالمحاكم الصورية التي تنتهي بالتجريم والسجن سنوات طوالا، وإما بالقتل. فهل يسأل المتعاطف في أي بلد عربي كان أو بالمنفى نفسه، ما الذي تفعله هذه الأسر إذا حل ما قلت آنفا على الرجل المعيل لعائلته؟ ومن ذا الذي يغطي حوائجهم ويطيب خواطرهم ويقوم اعوجاجهم المتولد من فقدان عزيز إما للزنازين الباردة وإما للثرى الأسود؟ فهذه ليست جزئية بسيطة يُمر عنها مرورا بسيطا، بل هي تحد يقصم كثيرا من الظهور بذاته، ليدرك من غاب عنه أن هذه البطولة هي بالفعل أسمى من أسمى وصف وُصفت به، وأن المقاومين يدفعون أثمانا هي أضعاف أضعاف ما يخطر على بال المتضامن من بعيد، ولم أذكر هذا إلا تمهيدا لما بعده.

فإبان مروري ومرورك في الشبكة ومطالعة تحليلات أهلها من المنصفين العاقلين والظالمين المعتوهين على حد سواء، لا بد أنك رأيت هذه الزمرة التي أودى بها حماسها لظلم الإخوان والأهل في فلسطين، هذه الثلة التي تجيد التنظير من بعد، والحديث عن الشجاعة وهم في مأمن من المعارك بعيد عن حومة القتال وتبعاته. زمرة لم تتوقف عن انتقاد الفلسطينيين والتعجب من صمتهم على اليهود الذين أقاموا المسيرة، والاستغراب من سكوتنا على الاقتحام الكبير للحرم المقدسي المبارك، فراحوا تارة لوصف المرابطين بالتخاذل، وتارة أخرى راحوا لتخوين المقاومة في غزة لعدم ردها المباشر على العدوان. يتحدثون بكلام كبير تقشره فلا تجد له لبا، ويكأن الفلسطينيين يملكون أدوات الحرب واقتصاد الدول ومساحة عمل آمنة يعدون فيها العدة للحرب. ولست أدري صدقا إذا كان هذا البله وليد ما سطره الفلسطينيون سابقا من معارك مشرفة فاعتاد عليها الناس، أم أنه قول لمجرد القول، وتصريح لمجرد الظهور أمام الناس بمظهر الغيور صاحب الأنفة. وليسأل كل منتقد نفسه سؤالا: ما الذي بذله من النفس والمال في سبيل مقاومة الاحتلال؟ فإن كان قد بذل فليضعه موضع المقارنة مع ما بذله، وما زال يبذله الفلسطينيون في مختلف أماكن سكناهم، ثم ليقس.

لقد دأب الإسرائيليون فيما سموه مسيرة الأعلام أن يشتموا العرب قاطبة، ثم يشتموا الإسلام جهرا، ثم يشتموا النبي محمد عليه الصلاة والسلام حقدا وبغضا وكفرا، فهل تراك تقدر أن تعيش بقلب كامل من غير غمّ أو كمد وأنت ترى كل هذا وتسمعه بالعين والأذن، بل تقف على بعد رمية حصوة منه، ويمنعك عنهم ألوف مؤلفة من الجنود المدججين بالسلاح والعتاد؟ فزد هذا إلى ما ذكرت أعلاه في سابق الفقرات من المعاناة الفلسطينية المتكررة، وانظر أنت واحكم بنفسك أي جلَد وصبر قد صب الله في أنفس وعروق هذه الفئة من العرب والمسلمين، ثم انظر مجددا عن خير عون تقدر على تقديمه لهم، ثم قدم فإنه لا يضيع.

وها قد انطوى مايو/أيار الذي صار بعد سيف القدس الغزي، إلى جانب انتفاضة القدس والداخل والضفة، شهرا ذا مكانة بين الشهور، ووقتا يعود بالذاكرة على عجل إلى مشاهد الاصطدام العنيف في شتى القرى والمدن الفلسطينية، في جولة غلب فيها العزل المسلحين، وشهدت الأرض حمية أهلها وقرأت فعالهم المكتوبة بالدم والدموع قصائد من البطولة والإباء. قبل أن تنتقد صمت الفلسطينيين، لا تتناسى لحظات قتالهم وفدائهم وإرهابهم للعدو باسمهم، واسمك، واسم كل عربي وكل مسلم.

إن الناس هنا يشبهونك، يحنون لأيام الأمان، يحتاجون للمال يسيرون به شؤونهم، لهم أحلامهم وآمالهم وأهدافهم، لهم أحباب يودون لو تفرغوا ليؤلفوا لهم قصائد الحب، مثلك تماما يحلمون بوظيفة كريمة تكفيهم، ولكنهم اصطفوا للقيام بهذا الهم، ومناهضة هذا العدو، فلا تبخسهم طيب القول والتماس العذر، واعلم يقينا أنهم متى تهيأت لهم الأسباب رأيت منهم ما يسر العين ويشفي القلب، تماما كما رأيتهم يفعلون منذ عقود سبعة.