بايدن.. ودراجته في صيف حار

الرئيس الأميركي جو بايدن يركب دراجة في شاطئ بولاية ديلاوير (رويترز)

قد تبدو حادثة سقوط بايدن من دراجته اعتيادية، لكن بشيء من التأمل في السياقات العامة تحمل الحادثة بعض التفكير في موقف الولايات المتحدة حاليا ككل، فليس في الأمر ما يدعو للسخرية، أو الشماتة بالقوة العظمى، ولو اختلفنا معها سياسيا، وباينّاها حضاريا.

فالواقع أن القوة العظمى اليوم تواجه اختبارا عسيرا على مستوى القوة، والنفوذ، والحضور، في حين أنها أخفقت في اختبار القيم الأميركية خارجيا، ونجحت فيه نسبيا في الداخل، وبذلك كفلت لنموذجها صمود علامته، وتسويقها عالميا.

لقد بلغ هذا النموذج قمته الحضارية في مشهد فائض الميزانية عام 1999م، أي عشية الألفية عندما دوّت الأبواق في داوجونز، وأعلنت تخطي البورصة 10 آلاف نقطة في حادث لم يكن مرتبطا باقتصاد فقاعة، يخشى انهياره الوشيك، ولا هي موجة عابرة تزول، بل كانت مرتبطة بتحسن اقتصادي، وانتعاش كبير، وسيطرة على الأسواق، وبزوغ لفجر العولمة.

واليوم تواجه أميركا معركة حامية الوطيس، فعالم متعدد الأقطاب يتشكل، في حين يبدو نموذجها بحاجة إلى تجدد قيمي، ومسلكي على مستوى العالم، فالمعركة ليست السياسة، بل ما يقود السياسة من أفكار حاكمة، وما يقود المجتمع من قيم، يمكن تصديرها للخارج.

والحضارات بغير هداية السماء، أو وبيصها الخابي حتى، ينفد وقودها بسرعة أكبر مما لو كان لديها قبس من هدى، تمضي به قدما، فإنها بغير هداية السماء إنما تعمل بسنن الكون، ونواميسه، وهي عامة، ثابتة، شاملة، لا تحابي أحدا.

وفي النموذج الأميركي كانت قوانين التاريخ حاضرة، فالتحدي، والاستجابة، وتجدد المجتمع، والأفكار المتسامية التي يمكن عبرها توليد طاقة العمل، والإنجاز، كالفردية، والاكتشاف، والحرية، كلها تلخصت في فكرة الحلم الأميركي؛ حلم الغرباء المتضامنين.

 

 

ولطالما ارتبط نجاح النموذج الأميركي بفكرة الهجرة، والغرباء المتضامنين، والحرية، والاكتشاف، والتجريب، وفي المقابل الحفاظ على شكل من الإيمان بالخالق المدبر، فعلى العملة مكتوب: "ليحفظ الرب الولايات المتحدة"، وفي النهاية فالولايات المتحدة حلم.. الغرباء، ولذا قال مارتن لوثر كينغ "لدي حلم..".

لكن هذا النموذج ككل النماذج الحضارية حمل في دواخله بعض بذور مشاكله، فالغرباء المتضامنون في الأصل أوروبيون أغلبهم بروتستانت مضطهدون، آمنوا بالحرية لكي لا يتكرر اضطهادهم، لكنهم في المقابل اضطهدوا كل من عداهم، وآمنوا بالاكتشاف، والتجريب، لأنه لم يكن هناك حل سوى المغامرة، والابتكار حلا للمعضلات التي واجهوها، وفي سبيل التجريب وتطويع الصعوبات جرفوا الأشجار، والهنود، وسواهم، ولأن الحلم الأميركي لم يتسع لزنوج أميركا، قالها مارتن لوثر: "لدي حلم".

عالميا، بدأ ترويج هذا النموذج منذ مطلع القرن العشرين، ومع الحرب العالمية الأولى ومبادئ ويلسون وجدت القيم الأميركية موقعها في الخريطة، وصارت أمرا يتحدث الناس عنه، ومع الحرب الباردة بدت القيم الأميركية براقة أكثر، وإن كانت أيضا قاسية بحكم الرأسمالية، ولكنها في النهاية كانت تمثل الحرية، والرفاه، والعمل الجاد.

عندما تحلل الاتحاد السوفياتي، وذابت الفكرة الشيوعية ذاتها، بدا جليًّا أن النموذج الأميركي هو الرائد، وهو القائد، لأنه ببساطة الناجح، لكنه ككل النماذج يواجه اختبارات، وتحديات، تملي عليه التعديل، والانعطاف، أو الاستبدال ليحدث التجديد.

بدهي أن النموذج الأميركي ليس نهائيا، ولا عصيا على المساءلة، والمحاكمة، لكنه في النهاية نموذج بشري، لذا فخطؤه وارد، وعليه فالحرية كفيلة بإصلاحه داخليا، وإعادة ترميمه، وتجديده، أما المجتمع نفسه فتتكفل الهجرة بتجديد دمائه، وتوفير طاقة دائمة لنموه.

الولايات المتحدة اليوم تواجه تشابكات الرأسمالية، وشبكات المصالح داخلها مع احتياجات مجتمعية ملحّة، كموضوع ترخيص حمل السلاح، الذي يستغله المتهورون في إطلاق النار، الذي غدا شيئا مألوفا، يبكي بسببه المجتمع دما، والإشكالات الأخلاقية المتصلة بالقيم الأسرية تفتح بابا يمكن وصفه بأنه تجاوز ما بعد الحداثة بكثير، ومضى باتجاه إنهاك البشرية ذاتها.. هذا عدا عن مطبّات الاقتصاد العديدة، والصراع الخارجي مع روسيا، والصين.

ولهذا كله فإن تجدّد النموذج اليوم حاجة ماسة، وإلا فسيواجه ليس الانقراض، فهذا غدا محالا، ولكن سيواجه دورة من الهبوط، والركود، لتصدر نسخة جديدة من الحضارة الإنسانية لا يحضر فيها النموذج المقصود إلا حضورا باهتا جانبيا.

إنه درس، وعبرة، وفكرة.. ليس أكثر.