سريلانكا.. إذ ينعق غراب راجاباغسا

من يقف وراء هجمات عيد الفصح الماضي بسريلانكا؟
سعت حكومات سريلانكية متعاقبة للتغطية على إخفاقاتها الاقتصادية والإدارية بالتخويف من المسلمين (الجزيرة)

تعزف سريلانكا منذ أكثر من شهرين سيمفونية شعبية موحدة، تبدأ بصوت نعيق الغراب متبعا باسم باسيل، وزير المالية الذي أجبرته الاحتجاجات الشعبية على الاستقالة، وهو شقيق الرئيس غوتابايا راجاباغسا، وتنتهي المعزوفة بالمناداة برحيل "غوتا"، الاسم المختصر للرئيس.

ولاختيار باسيل رمزية خاصة ضمن مثلث الفساد والمحسوبية والسياسات الفاشلة، فبينما كان يبرر عزوف الرحلات الجوية عن المطار بكثرة الغربان في المنطقة، عجز الوزير عن لفظ كلمة غراب في مقابلة تلفزيونية باللغة الإنجليزية فذكرها بالسنهالية المحلية، ومن هنا التقط طلاب جامعيون العبارة وأدخلوها ضمن هتافاتهم، ثم تحولت إلى معزوفة في مزامير العربات والركشات.

سياسات خرقاء

مطار وميناء بحري ومجمع للملاعب في هامبانتوتا، وغيرها من المشاريع التي أقيمت بتمويل دَين خارجي، ولمخالفتها دراسات الجدوى، فإنها تفسر برشوة لسكان الدوائر الانتخابية لعائلة راجاباغسا، لكنها بالتأكيد ليست في مصلحة اقتصاد متعثر، وهي نموذج لسياسات اقتصادية انتهجتها العائلة أدت إلى إفلاس البلاد.

لقد أوصلت السياسات الخاطئة سريلانكا إلى شفا الانهيار، وتجاهلت الحكومة توصيات الخبراء ومؤسسات الدولة مثل البنك المركزي الذي نزعت آخر تعديلات دستورية استقلاليته، وحولته من مستشار للحكومة إلى أداة لها.

خفضت الحكومة الضرائب بنسبة 50% وفاء لوعود انتخابية شعبوية، فتراجعت عائدات خزينة الدولة، وبذريعة التحول إلى الزراعة العضوية استجابة لمواصفات الأسواق العالمية ولا سيما الغربية، حظرت الأسمدة الكيميائية، فأدى ذلك إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وتحويل البلاد من مصدّر للمنتجات الزراعية الرئيسية إلى مستورد لها.

وتفاقمت المشكلة مع نضوب العملات الأجنبية، فقد تراجع احتياطي النقد الأجنبي من 7.5 مليارات دولار غداة تسلم راجاباغسا السلطة في ديسمبر/كانون الأول 2019 إلى قرابة الصفر بعد سنتين، فكان الإجراء الاحترازي وقف إصدار اعتمادات بنكية للاستيراد، وشمل ذلك مشتقات الوقود، وأضرّ بقطاعات كثيرة مثل السياحة التي تجلب نحو 5 مليارات دولارات من العملات الأجنبية سنويا.

اضطهاد أرهق الاقتصاد

لم يشفع لمسلمي سريلانكا ما يعرف عنهم من التزام بدفع الضرائب، فهم يشكلون نحو 10% من السكان البالغ عددهم 22 مليون نسمة، ويديرون قطاعات تجارية ناجحة يعتمد كثير منها على التصدير، وتساهم في رفد خزينة الدولة بالعملات الأجنبية إلى جانب عائدات المغتربين منهم.

شُنّت حملات ممنهجة ضد الأقلية المسلمة في السنوات الأخيرة، تغطيها نزعات عنصرية وتطرف ديني، وبدعم من الحكومة وأجهزتها الأمنية، وشملت اعتداءات منسقة على الممتلكات وحرق المتاجر وهدم المساجد، فتسبب ذلك بحالة هلع عامة في أوساط الأقلية المسلمة خاصة رجال الأعمال المسلمين، وكان عليهم البحث عن مكان آمن لأموالهم، فحول كثير من هذه الأموال لشراء عقارات في دول تمنح جنسيات وإقامات دائمة مقابل الاستثمار، وكل ذلك على حساب اقتصاد البلاد المتهالك.

وحمّلت الحملات الإعلامية وفي وسائل التواصل المسلمين مسؤولية كل مصيبة تحل بالبلاد، ولُفّقت تهم باطلة لأطباء ومثقفين وتجار، مثل اتهام أطباء مسلمين بتعقيم النساء البوذيات دون علمهن، وهو ما ثبت بطلانه قضائيا، أو تسميم أصحاب المطاعم المسلمين للبوذيين، وأخيرا إشاعة أن جثث الموتى المسلمين تلوث المياه الجوفية بفيروس كورونا، وهو ما دعم سياسة الحكومة التي قررت حرق جثة من يتوفى من المسلمين جراء إصابته بفيروس كورونا، وحرمان الأسر المسلمة من تشييع من يفقدون والصلاة عليهم.

 لقد سعت حكومات متعاقبة للتغطية على إخفاقاتها الاقتصادية والإدارية بالتخويف من المسلمين، فكان البعد الأمني الذي يصنف المسلمين خطرا داهما، وبلغ ذروته باستثمار هجمات عيد الفصح عام 2019 وتحميل الأقلية المسلمة مسؤوليتها، رغم أن ما كشف من تحقيقات رسمية برّأ المسلمين وألقى باللائمة على المسؤولين الأمنيين والعسكريين، إلى درجة تصل إلى التواطؤ والتآمر.

وبظهور الانهيار الاقتصادي، انكشف زيف الادعاءات الموجهة للأقلية المسلمة، وتبين أن المسلمين لم يكونوا سوى كبش فداء لمافيا الفساد والسياسات الخاطئة التي دمرت اقتصاد سريلانكا، وتعالت أصوات كثيرة في أوساط الأغلبية السنهالية (البوذية الديانة) بالاعتذار للمسلمين، ودعوة رجال الأعمال منهم إلى عدم هجرة البلاد.

جذور المشكلة

رغم الاتفاق في سريلانكا على أن الأزمة الاقتصادية متوارثة، فإن حسم الحرب الأهلية بعد 26 عاما من اندلاعها يمكن أن يكون بداية ملموسة لتشخيصها، وبقدر ما كانت الحرب ضد نمور تحرير تاميل إيلام تدمي البلاد، فقد كانت ساترا لعيوب الساسة وإخفاقاتهم.

لقد انتهت الحرب عام 2009 بالقضاء على حركة انفصال التاميل في شمال وشرق الجزيرة، وخرج غوتابايا راجاباغسا وكيل وزارة الدفاع وقتذاك بطلا قوميا، بينما كان شقيقه الأكبر ماهيندا رئيسا للبلاد، لكن شبهات الفساد والتراجع الاقتصادي تسببت في خسارتهما الانتخابات عام 2015.

لم يكن سهلا على البطل القومي أن يقبل بهزيمة انتخابية أخرجته وكامل عائلته من السلطة. وبعقليته العسكرية والأمنية -كما يؤكد ساسة ومحللون سياسيون سريلانكيون- نجح في توجيه أنظار الأغلبية السنهالية ضد الأقلية المسلمة، حيث إن غالبية مسلمي سريلانكا ينتمون إلى العرقية التاميلية، ويتقاسمونها مناصفة مع الهندوس.

ولا يستبعد ساسة سريلانكيون ضلوع راجاباغسا في أحداث الفصح التي راح ضحيتها أكثر من 267 شخصا، بهدف خلق أرضية شعبية توصله إلى السلطة، وفعلا تمكن من الحصول على غالبية الثلثين تحت شعاره الانتخابي "سريلانكا بحاجة إلى رجل قوي"، وليس هناك أفضل من غوتابايا لهذه الصفة، فحقق فوزا ساحقا.

سارع غوتابايا إلى تعديل الدستور بدواع الأمن وتجنبا لصراع النفوذ بين الرئيس ورئيس الوزراء الذي أودى بالحكومة السابقة، وأمسك بجميع السلطات والصلاحيات، فهمّش الحكومة والبرلمان والقضاء.

جمع الرئيس التنفيذي بين الاعتداد المفرط بالنفس على خلفية انتصاره في الحرب وغالبية الثلثين التي يمتلكها حزبه في البرلمان، وألقى على الأقليات مسؤولية كل المصائب التي تحل بالبلاد والعباد، وعندما انكشف الستار بإفلاس البلاد تبين أن شمس سريلانكا لا يغطيها غربال غوتابايا.

تخلى الرئيس عن شقيقه رئيس الوزراء وعن 9 حقائب وزارية تقلدها إخوانه وأقاربه، ويكاد يقتصر سلاحه للاستمرار في السلطة على عجز البلاد عن دفع ثمن الورق والقرطاسية لإجراء انتخابات مبكرة، وافتقار الشعب ونوابه في البرلمان إلى وسيلة دستورية تمكنهم من عزله، ولتستمر سيمفونية نعيق الغراب إلى حين انتعاش الاقتصاد أو سقوط الرئيس.