الاحتفاء بالإنتاجات الأدبية عند العرب

يبلغ الاهتمام بالأدب مبلغه لدى الفئات المختلفة، فيستهوي النفوس وتستعذبه الألباب (الجزيرة)

ورَد في المصادر الأدبية أن أحد القدماء "كان إذا مدحه شاعر ولم يرض شعره، قال لغلامه: امض به إلى المسجد فلا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة ثم خلّه، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدون، فجاء الحسين بن عبد الرحمان البصري فاستأذنه في النشيد، فقال: أعرفت الشرط، قال: نعم وأنشد:

أردنا في أبي حسن مديحًا

كما بالمدح تنتجع الولاة

فقلنا أكرم الثقلين طرًا

ومَن كفّاه دجلة والفرات

فقالوا يقبل المدحات لكن

جوائزه على المدح الصلاة

فقلت لهم وما تغني صلاتي

عيالي إنما تغني الزكاة

  • فضحك واستظرفه وأمر له بمائة دينار.

لقد استحكمت في الإطار العربي عادات الاهتمام بالمنتوج الإبداعي الأدبي منذ القديم، وكانت النماذج المثلى موجّهات لغيرها وسَنَنا يستحسن المهتمون اقتفاء أثره؛ ولذلك يروي لنا الصفدي أنه "وفد إلى عبد اللّه بن طاهر جمع من الشّعراء، فعلم أنّهم على بابه، فقال لخادم له أديب: اخرج إلى القوم، وقل لهم: من كان منكم يقول كما قال العتّابيّ للرّشيد: مستنبط عزمات القلب من فكر.. ما بينهن وبين اللّه معمور، فليدخل!"

بل إن منتجي هذه العينات طالما كان الاحتفاء بهم أمرا يرافقهم عندما يدبّجون هذه الصناعات ويقدّمونها للملأ، وهنا نطالع ما رواه القالي في أماليه من أنه "دخل الشعراء على المنصور وفيهم طريح بن إسماعيل الثقفي وابن ميّادة وغيرهم، فأذن لهم في الإنشاد، فأنشدوه من وراء حجاب، حتى دخل ابن هرمة في آخرهم، فأنشده حتى بلغ إلى قوله من شعره:

إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى

وإن قال إني فاعل فهو فاعل

كريم له وجهان وجه لدى الرّضا

أسيل ووجه في الكريهة باسل

رأيتك لم تعدل عن الحقّ معدلا

سواه ولم تشغلك عنه الشّواغل

فقال: يا غلام، ارفع الحجاب، وأمر له بعشرة آلاف، والدينار يومئذ بسبعة، وأعطى الباقين ألفين ألفين".

ومن خلال المعاني والكلمات المميزة، يحجز ذوو البيان مواقعهم مشتهرين بمقولاتهم تلك، على نحو يصوره ما يشيع في مِثل تقديم صاحب كتاب "المؤتلف والمختلف" لأحد الأدباء بالقول "كان يتقدم شعراء أهل زمانه وهو القائل:

إذا ضيعت أول كل أمر

أبت أعجازه إلا التواء

لكن مسألة تقويم جمال الصناعات والاحتفاء بها، قد تبدأ من لدن الشاعر نفسه، فكان كعب بن زهير -حسب ما يُروى- إذا أنشد قصيدة صنع لها خطبة في الثناء عليها، وكان يقول عند إنشادها "لله دري! وأي علم بين جنبي! وأي لسان بين فكي!"

وفي إطار النظر إلى الإنتاجات الأدبية، ترسخت منذ القديم أساليب المسابقات والجوائز العربية؛ فمما يروي عن يحيي بن خالد البرمكي أنه كان يعقد امتحانا للشعراء ليرتب لهم الجوائز حسب إتقانهم وجودة أشعارهم وجعل ذلك إلى أحد معاونيه.

ويبلغ الاهتمام بالأدب مبلغه لدى الفئات المختلفة، فيستهوي النفوس وتستعذبه الألباب وترتهن للتفاعل معه الشخصيات، فهذا الفقيه يحيى بن يحيى الليثي (أشهر رواة كتاب الموطأ) يسمع أبياتا وهو في الطريق إلى المسجد فيدونها بطريقة خاصة، حتى يقول عن ذلك الراوي -في كتاب نفح الطيب- فلقد رأيته يكبر "والأبيات مكتوبة على ظهر كفه".