متلازمة القولون العصبي.. كيف لحِمية أن تُنهي المعاناة؟

كيف تميز بين أعراض القولون العصبي والأمراض الأخرى؟ مع الحكيم يجيب ويقدم النصائح
نتائج اتباع حمية "قليل فودماب" على جودة حياة مرضى القولون العصبي، وتحسن أعراضه، لم تترك مجالا للشك في فاعليتها (غيتي)

ما أشد ما يلقاه مريض متلازمة القولون العصبي (irritable bowel syndrome) من أعراض عسيرة وآلام مضنية لا تحتمل؛ فهو بين راحتي عذاب وإحباط: عذاب يفرضه عليه شبح آلام البطن المستمرة، وتقلصاتها العنيفة غير المستقرة، وغازاتها الموقوتة كالقنابل فلا راحة يعيش ولا هناء ينال، وإحباط تسوقه إليه نفسه كلما فكر في العلاج الذي لا يداوي، فكم من أعشاب مُكرهًا قد تجرع، وأقراصٍ مضطرا قد ابتلع، ولكن بغير طائل عاد واقتنع أن المعاناة مزمنة قد لا تنقطع.

بيد أن المجتمع العلمي قد عاش في العقدين الماضيين (2000-2020) انتعاشة جديدة، عمادها التحكم بما ينزل إلى المعدة من طعام، وما يجري على الألسنة من شراب. فما أكثر الحميات الغذائية التي شاعت لتكون للمرضى خلاصا مما يعانون، فتصبح القاعدة الجديدة: "بدلا من تناول الأدوية الكثيرة، نتحكم في دخول مسببات الأعراض الثقيلة". لكن بين ضجيج ما لا أساس علميا له وما هو صحيح مُثبت، غابت الفائدة والحقيقة، فما قصة الحمية القليلة السكريات والسكريات الكحولية القابلة للتخمر "فودماب" (Low FODMAP Diet) ومتلازمة القولون العصبي؟

المتلازمة تحت المجهر

تعتبر متلازمة القولون العصبي (IBS) واحدة من أكثر الاضطرابات المؤثرة سلبا على الجهاز الهضمي، إذ تجعل جودة وشكل حياة فرد من بين كل 5 أفراد حول العالم أكثر سوءا وصعوبة، ويعزى السبب الرئيسي إلى خلل يؤثر في توازن وظيفة الجهاز العصبي المعوي (Enteric Nervous System) الذي يقع تحت سطوة عوامل عدة، أهمها:

  • العوامل الوراثية المختلفة.
  • اختلال المكون البكتيري في الأمعاء (Dysbiosis).
  • الضغط النفسي والعصبي.
  • النظام الغذائي المتبع.

ويظهر الخلل في صورة مجموعة من الأعراض المتفاوتة التي تبدأ بالإحساس بالامتلاء والضغط المصحوبين بزيادة في محيط البطن الظاهر (Bloating and Distension) نتيجة احتجاز السوائل والغازات والعديد من المغذيات الصلبة غير الممتصة، خصوصا بعد تخمرها بكتيريًّا، وهو ما يؤدي إلى سلسلة متصلة تبدأ بآلام البطن والتهيج وصولا إلى تغير متفاوت ما بين إمساك أو إسهال أو كليهما، وقد شكّل علاج المتلازمة نقطة انطلاق وارتداد واسع على مدى السنوات الماضية، بداية من الأدوية التي تقلل حدة الأعراض دون التدخل مع مسبباتها، أو العلاجات النفسية والبدنية التي لم يثبت لها نتيجة حقيقية، إلى العلاجات العشبية والتقليدية ذات المخاطر والتداخلات المتعددة، حتى كانت بداية القرن الحادي والعشرين، إذ بدأ رأي خافت يظهر على استحياء ويتكشف بشكل علمي، مفاده أن التحكم فيما يدخل إلى الجسم من طعام وشراب قد يمثل بادرة حقيقية للحد من معاناة مرضى القولون العصبي.

كيف بدأت حمية "قليل فودماب"؟

تاريخيا، ارتبط نوع الغذاء بالكثير من اضطرابات الجهاز الهضمي، ويعود ذلك إلى ستينيات القرن الماضي (1960) حيث صنف العجز عن هضم اللاكتوز (lactose intolerance) كمسبب للإسهال عند بعض الأفراد، وبدأت أول حمية غذائية عمادها الاستبدال والإحلال، لكنها لم تكن ذات جدوى فاعلة بالنسبة لمرضى القولون العصبي، حتى كان عام 2004، حين أطلق مجموعة من الباحثين في جامعة موناش الأسترالية المصطلح الجامع لجميع الأطعمة المسببة لنفس الأعراض، من بينها الفركتوز وغيره العديد، وفي العام التالي نشرت أول ورقة بحثية تحمل المصطلح ذاته وتدرس العلاقة بينهما.

ويشير اسم حمية "قليل فودماب" (Low FODMAP) اختصارا إلى:

  • قابل للتخمر (Fermentable)، أي الأطعمة التي يسهل على البكتريا استخدمها طعاما مثل المثلجات.
  • سكر متعدد (Oligosaccharides)، كالفروكتان الموجود في البصل والثوم.
  • سكر ثنائي (Disaccharides)، مثل اللاكتوز الموجود في منتجات الألبان كالجبن.
  • سكر أحادي (Monosaccharides)، مثل الفركتوز الموجود في الفاكهة كالتفاح.
  • وكذلك (And)، السكريات الكحولية (Polyols) مثل السوربيتول الموجود في منتجات كثيرة.

الرابط بين الحمية والمتلازمة

تعتبر الأطعمة التي تنتمي لتصنيف "النشويات البسيطة القليلة الامتصاص القابلة للتخمر" (fermenrable poorly absorbed short-chain carbohydrates) هي السبب الرئيس لبداية سلسلة الأعراض المذكورة سابقا، حيث لا تمتص بالقدر الكافي في الأمعاء الدقيقة، مما يدفعها إلى العبور نحو الأمعاء الغليظة لتمثل مصدرا سهلا وسريعا لغذاء ملايين البكتيريا الموجودة فيها، مما ينتج عنه الكثير من غازات الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون والميثان، إضافة إلى كونها صغيرة ومركزة، فتستحث الجسم لزيادة الماء نحوها وهو ما قد يسبب الإسهال والانتفاخ وآلام البطن الصعبة.

وقد أظهرت الأبحاث والدراسات المختلفة أن الاستمرار على نظام غذائي خال من هذه الأطعمة، قد حسن الأعراض التي يعاني منها مرضى القولون العصبي بنسبة تترواح بين 68% و76%.

ماذا نأكل؟

لا يمثل اتباع الحمية مشكلة كبيرة، حيث تقع مجموعة كبيرة من الأطعمة داخل تصنيفاتها الرئيسية (البروتين، الدهون، النشويات)، والتي تلبي حاجة الجسم من المغذيات الأساسية.

مراحل تطبيق الحمية

  • إزالة الأطعمة المحفزة لظهور الأعراض لمدة شهر.
  • إعادة بعض الأطعمة للتأكد من علاقتها بالأعراض لمدة شهرين، فإن زادت الأعراض، حذفت نهائيا.
  • ترتيب الطعام المناسب والاختيار منه بحسب الرغبة.

مخاطر الحمية على المدى البعيد

  • الحد من نمو البكتيريا النافعة على حساب الضارة، حيث تقل فرصتها في الحصول على الغذاء.
  • ما لم يستخدم الشوفان أو الأرز مصدرا للألياف الغذائية، فإن فرصة حدوث الإمساك تزداد.

إن نتائج اتباع حمية "قليل فودماب" على جودة حياة مرضى القولون العصبي، وتحسن أعراضه، لم تترك مجالا للشك في فاعليتها، لكن يظل من يتبعها في حاجة إلى الرجوع لطبيبه واستشارته، فما يزال السؤال مطروحا عن تأثير اتباعها لفترة طويلة.

 

  • المصادر

[1]. Shepherd, S. Gibson, P. (2011). The complete low-FODMAP diet : a revolutionary plan for managing IBS and other digestive
disorder. Experiment, USA.

[2]. Gibson, P. R. (2017). History of the low FODMAP diet. Journal of Gastroenterology and Hepatology (Australia), 32, 5–7. https://doi.org/10.1111/jgh.13685

[3]. Reggie Thomas, J., Nanda, R., & Shu, L. H. (2012). A FODMAP diet update: Craze or credible? Practical Gastroenterology, 36(12), 37–46.

[4]. Tuck, C. J., Muir, J. G., Barrett, J. S., & Gibson, P. R. (2014). Fermentable oligosaccharides, disaccharides, monosaccharides and polyols: Role in irritable bowel syndrome. Expert Review of Gastroenterology and Hepatology, 8(7), 819–834. https://doi.org/10.1586/17474124.2014.917956

[5]. https://www.hopkinsmedicine.org/health/wellness-and-prevention/fodmap-diet-what-you-need-to-know

[6]. https://gi.org/topics/low-fodmap-diet/

[7]. The 3 steps of the FODMAP diet