شعار قسم مدونات

هل يستطيع الفلسطينيون وحدهم تحرير فلسطين؟!

إحدى الصلوات في المسجد الأقصى (الأناضول)

يوم الأحد 28 شوال 1443هـ الموافق 29 مايو/أيار 2022 سيظل يوما محفورا في الذاكرة الفلسطينية خاصة، والذاكرة العربية والإسلامية عامة؛ فقد نظم المستوطنون الصهاينة "مسيرة الأعلام" في مدينة القدس (الشطر الشرقي)، ومثلما دأبوا عليه منذ عقود، شتموا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسبوا العرب، وأبدوا شماتة بهم، وتفاخروا بالتطبيع مع دول عربية. كان ذلك عصر الأحد، وفي الصباح اقتحمت مجموعات من قطعان المستوطنين باحات المسجد الأقصى واعتدى الجنود على المرابطين فيه، وأغلقوا المسجد القبلي وأطلقوا قنابل الصوت، وغير ذلك من مشاهد بثت بثّا حيّا مباشرا عبر الفضائيات والإنترنت!

وبقدر الألم والحزن من هذه العربدة التي مرت من دون عقاب مكافئ، خاصة أنه سبتقها تهديدات من مختلف الفصائل الفلسطينية بأن المسيرة "لن تمر"، فإن هناك بصيص أمل وتغيرا ظاهرا؛ فقد استنفرت سلطات الاحتلال الصهيوني قوى الجيش والشرطة والمخابرات ونشرت الآلاف من العناصر، ناهيك عن مئات آخرين بلباس مدني (مستعربين) حتى مرّ ذلك اليوم "بسلام".

هذه المسيرة بمناسبة احتفال الكيان العبري بما يسميه (ذكرى توحيد القدس) وفق التقويم العبري؛ ومعلوم أن مدينة القدس احتلت على مرحلتين: الأولى شملت الجزء الغربي في نكبة 1948، والثانية أتت على الجزء الشرقي الذي يحوي المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في هزيمة 1967.

هذا الحدث وما سبقه من اعتداءات متواصلة في جنين وغيرها من مدن الضفة الغربية، مع عربدة غير مسبوقة لقطعان المستوطنين في الشوارع والطرقات واعتداءاتهم التي لم تتوقف حتى كتابة هذه السطور على المزارع والبيوت والمدارس، تجعلنا نتساءل: حتى متى ستظل هذه الحال؟ ومتى ستتحرر فلسطين من هذا الاحتلال الذي مضت عليه 74 سنة تغيرت فيها دول وحكومات وشهدت كثيرا من الأحداث عالميا وإقليميا ومحليا؟

والسؤال الذي تناقشه هذه السطور كما في العنوان: هل يمكن للشعب الفلسطيني وحده تحرير أرضه؟

مسؤولية دينية وأخلاقية وسياسية وغيره

لا يخفى عليّ أن هناك ظاهرة انتشرت ملخصها: أيها الفلسطيني، اقلع شوكك بيدك، فهذه أرضك وقضيتك وحدك!

لقد تخلى النظام العربي الرسمي تدريجيا عن مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية، واستطاع تقليص حجم القضية رسميا من قضية عربية إسلامية، إلى قضية تخص دول الطوق، ثم إلى قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، ومؤخرا في ظل حمّى التطبيع يحاول بجنون نقل ما كان رسميا إلى الفضاء الشعبي، بغض النظر عن نسبة نجاحه في هذا الأمر.

ضاربا عرض الحائط بما كان متفقا عليه ضمنا بأن خيارات الأمة يجب ألا تخضع لضرورات وإكراهات الأنظمة والحكومات.

ولكن العالم الإسلامي والعربي يتحمل أمام الله أولا ثم أمام الأمة وأجيالها مسؤولية كبيرة لا يمكن القفز عنها تجاه فلسطين.

فالمسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثالث المسجدين التي تشدّ لها الرحال، وإلا فليردفوا إعلانهم بأن فلسطين قضية لا تخص العرب، بإعلان أن المسجد الأقصى ملك الشعب الفلسطيني ويخصه وحده.

ولن تجدي محاولات بعض الأنظمة عبر بعض الأبواق التي تردد أن المسجد الأقصى ليس في القدس قلب أرض فلسطين، بل في الجعرانة قرب مكة على طريق الطائف، أو غير ذلك من الترهات التي مهما أنفق عليها وفي سبيلها لن تخترق الوعي الجمعي للمسلمين.

ولا يتسع المجال إلى سرد كل ما تسبب فيه النظام العربي الرسمي من كوارث تجاه فلسطين وشعبها في محطات تاريخية، ابتداء من النكبة حينما منعوا وجود كيان فلسطيني على أي جزء من فلسطين الانتدابية، وليس انتهاء بالتحالف المتواصل مع الكيان الصهيوني.

وبعض الأنظمة هي نتاج انقلابات عسكرية بررها القائمون عليها بأنها احتجاج وثورة على تقاعس النظم السابقة تجاه فلسطين، وأن هدف الانقلابات إزالة إسرائيل، وإذ بهم يتحولون إلى حلفاء للتي زعموا أنهم يريدون إزالتها.

كما أن فلسطين احتلت أول مرة من الإنجليز وهي تحت حكم السلطنة العثمانية، وبغض النظر عن أسباب وظروف الهزيمة، فإن ثمة مسؤولية تاريخية وأخلاقية على من ورث السلطنة، وفي نكبتي 1948 و1967 لم يكن هناك جيش فلسطيني ولا حتى كان مع شعب فلسطين سلاح يذود به عن وطنه، وكون الجيوش العربية لم تستطع التصدي للقوات الصهيونية كما ينبغي، يجعل الدول العربية أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية.

ومع أن القُطرية صارت صنما يعكف عليه كثير من العرب بدل ما صدعوا رؤوسنا به من المزاعم القومية، فإن شعب فلسطين شعب عربي أصيل، وجزء من الأمة العربية.

والأهم من كل ذلك أن الكيان العبري خطر على الأمة العربية والإسلامية وزرعته القوى الإمبريالية ليكون كالسرطان في جسد الأمة، ليحول بينها وبين أي مشروع نهضوي على أي مستوى كان؛ فمحاربة الصهيونية ليست خدمة أو "منّة" على الفلسطينيين بقدر ما هي دفاع عن الذات لكل عربي، ولو كان بعيدا عن حدود فلسطين.

ولو أن شعب فلسطين قبل الرشاوى السخية من الكيان الصهيوني عبر عقود، ولم يقاوم ويصمد بما هو متاح له لتمدد المشروع الصهيوني بشكله الاستيطاني العسكري إلى بلاد عربية أخرى، ولكن الفلسطيني قبض على الجمر وقاوم واحتمل القتل والسجون والمنافي والتضييق وما زال.. وهو يتهم اليوم بأنه قد باع أرضه وقبض ثمنها من الحركة الصهيونية.. يا عيب الشوم على كل من تسوّل له نفسه قول هذه الفرية!

كيف يحرر الفلسطيني وطنه؟

الوضع العربي في أسوأ حالاته؛ فحتى حين تنازل العرب وقبلوا وجود إسرائيل على 78% من أرض فلسطين، زادت إسرائيل عنجهية واستعلاء، وحين طرحوا مبادرة للتطبيع الشامل في 2002 مقابل انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967 لم يحصلوا على شيء.

وهم اليوم يهرولون إلى التطبيع في ظل تغوّل الاستيطان وفي ظل سعي إسرائيلي محموم إلى تهويد القدس، ومخططات خبيثة معلنة ومخفية لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

وصار بعضهم حليفا لإسرائيل، وقد نرى قطاعات من جيوش عربية تقاتل جنبا إلى جنب مع "تساهال" في ظل استمرار التردي والانحطاط.

ومنذ مدة، تنبه الفلسطينيون -خاصة داخل فلسطين المحتلة- إلى ضرورة الاعتماد على الذات وتفعيل وتصعيد مقاومتهم للاحتلال، وذلك بعدما تبين لهم أن العرب بين عاجز أو متخاذل أو متحالف مع الصهاينة، وأن أمل تغير الواقع العربي يبدو بعيدا في المنظور القريب.

وحققت المقاومة الفلسطينية تقدما وتطورا ملحوظا، تسبب في مشكلات متتالية للمشروع الصهيوني الذي صار يرى أنه في خطر وجودي على لسان بعض قادته ومفكريه.

هل يمكن للمقاومة تحرير فلسطين

من النهر إلى البحر أو حتى جزء منها؟

اندحار الاحتلال الإسرائيلي عن قطاع غزة (1% من مساحة فلسطين الانتدابية) في 2005 وتفكيك المستوطنات على يد أرييل شارون الذي كان يتبجح بأن "نتساريم" مثل تل أبيب؛ أظهر أن المقاومة الفلسطينية تستطيع تحقيق ما لا نبالغ إذا قلنا إنه معجزة.

وتحوّل قطاع غزة الذي يفترض أنه منطقة ساقطة من الناحية الإستراتيجية العسكرية -كونه شريطا ساحليا ضيقا مكشوفا مكتظا بالسكان- إلى منطقة تؤرق إسرائيل بما قامت به المقاومة من تطوير قدراتها العسكرية وفق الإمكانات، وبمساعدات تعد قليلة من العرب، بل هناك تآمر عربي عليها وحصار وتضييق ومعاناة تتعمد بعض الدول العربية فرضها بحجج سخيفة.

وكان آخر تجليات التقدم الكمي والنوعي للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ما جرى العام الماضي في شهر رمضان المبارك؛ أي "معركة سيف القدس"، التي كان من نتائجها النفسية والمعنوية البارزة زيادة هائلة في حجم القناعة بإمكانية هزيمة إسرائيل ومحوها من الخريطة وتحرير فلسطين.

خاصة أن هذه المعركة جاءت في ظل الوضع العربي الذي تحدثنا عنه، وبعد سنوات من فقدان الأمل في مخرجات تغير موازين القوى في الأقطار العربية بعد نجاح الثورات المضادة بالقضاء على الربيع العربي.

الواقع يفرض نفسه

ولكن إسرائيل كيان قوي يتمتع بقدرات عسكرية وتقنية رهيبة، وإذا كانت دول عجزت عن تحقيق توازن إستراتيجي معه فكيف بمقاومة محاصرة في 360 كيلومترا مربعا، مهما امتلك رجالها من قوة إرادة وشجاعة وذكاء، أو تلقوا دعما يأتيهم بشق الأنفس من بعض الدول أو الشعوب؟

وحين تجد إسرائيل نفسها أمام خطر وجودي لن تتردد في استخدام قوتها الباطشة بلا تردد أو حسابات سياسية.

هذا واقع يبدو أنه في غمرة تحقيق المقاومة انتصارات غير مسبوقة قد غاب عن الوعي الفلسطيني نسبيا، وإجمالا تظل إستراتيجية المقاومة على الأقل حاليا دفاعية مع كل ما وصلت إليه خلال السنوات الماضية.

حين حشد الفلسطينيون الحشود الغفيرة على حدود قطاع غزة، في الذكرى السبعين للنكبة (مايو/أيار 2018)، وتمكن الشبان من إزالة السياج والتوغل إلى خارج حدود القطاع نحو أراضي آبائهم وأجدادهم بلا أسلحة، معتمدين أسلوبا مدنيا سلميا، أطلق جنود الاحتلال النار عليهم، فاستشهد نحو 60 منهم وجرح مئات آخرون.

ذلك لأن الكيان رأى أن خلق واقع بشري جديد بحشود متتالية خطر وجودي.

أضرب هذا المثل القريب نسبيا لمزيد من توضيح الفكرة بأن إسرائيل لها قوة باطشة تستخدمها إذا شعرت بأن الخطر كبير ويتهدد وجودها.

والخلاصة أنه لا يمكن للشعب الفلسطيني تحرير فلسطين خاصة القدس وحده، ولكن هذا لا ينفي دوره المركزي في عملية ومسيرة التحرير.. وعن المطلوب للتقدم نحو هذا الهدف (التحرير) سأتحدث في المقال القادم بمشيئة الله.