شعار قسم مدونات

عندما رأبت أم كلثوم الصدع العربي..

blogs أم كلثوم
أم كلثوم (مواقع التواصل الاجتماعي)

في آخر يوم من ماو/أيار 1968، وفي تونس وقفت "الملكة" سيدة الغناء العربي أم كلثوم، في شموخ مستمد من عظمة مصر ورونقها الذي كان في زمن الفنانين الكبار، لتشدو بصوتها كاسرةً حاجز الصمت الذي كان بين الشقيقتين مصر وتونس.

ويحسب لأم كلثوم أنها كانت وراء تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين تونس ومصر، بعد الجفاء السياسي الذي اعترى العلاقات بين البلدين على أثر حرب يونيو/حزيران 1967.

وفي الساعة التاسعة مساء يوم 31 مايو/أيار، في مثل هذا اليوم، عام 1968 رفع الستار عن سيدة الغناء العربي أم كلثوم، فاهتزت القاعة بتصفيق 5 آلاف جاؤوا من كل مكان في تونس، وبلاد عربية أخرى لحضور أول حفلة لها في تونس، وكان يتقدمهم الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وزوجته السيدة وسيلة، بالإضافة إلى الوزراء والمسؤولين.

وكانت الكلمة المغناة قادرة على لملمة الجراح في زمن الضياع، والانتصار على آلام الهزيمة في وقت الانكسار، وتجاوز مخلفات نكسة يونيو/حزيران 1967.

وقالت أم كلثوم "أنا في قطعة من وطني.. وطن العرب.. كل العرب.. تونس الخضراء".

"إن فن أم كلثوم كان وما زال له محبوه الشغفون بسماعه في بلادنا، إن كل ما تعنت به هذه المطربة العبقرية من أحسن ما جادت به أساتذة الفن في المشرق"، هذا ما قالته وكالة "تونس أفريقيا للأنباء" في أول برقية فنية تكتبها باعتبار أن زيارة أم كلثوم لتونس بمثابة عيد خالد.

ورغم تأثيرات نكسة يونيو/حزيران 1967 الناتجة عن العدوان الصهيوني على سوريا ومصر والأردن، فإن حبل التواصل الثقافي والحضاري بين العرب لم ينقطع، ولم ترتدّ روح الانتماء ولا الإيمان بوحدة الجذور والهدف والمصير، خصوصا أن الأصوات المصرية، وفي مقدمتها أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، كانت فاعلة في إثراء الوعي الجمعي، متوهّجة بعبقرية الإصرار على الحياة والتواصل والانتصار لأحلام وطموحات الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.

وا آسفاه على أم كلثوم التي كانت كوكبا متفرّدا بنوره الوضاء فى دياجير الظلام الدامس، حين كانت صوت الحب والعواطف الجيّاشة، والقصائد الخالدة والمعاني السامية والألحان الباقية إلى يومنا، رغم مرور الزمان الطويل، التي جعلت من أم كلثوم أيقونة الأغنية العربية بكل خصائصها الأصيلة الضاربة جذورها في أعماق الحضارة الإنسانية الإبداعية.

الفن وأهدافه

الفن يحمل في طياته رسائل تنبه المتلقي لشيء ما أو لخطر معين، أو تحفزه إلى الخير أو تحذره من الشر.

وقد رأينا في العصر الإغريقي القديم على سبيل المثال ملاحم شعرية وغنائية كانت تنقد الواقع وتحاول أن تنشر قيما نبيلة بين الناس كالتسامح والأخوة والتغني بالأوطان والدعوة للمشاركة في الحرب لدفع العدو وصون حرمة القبيلة والعشيرة.

إن الفن شكل من أشكال التعبير الإنساني، وضرورة من الضروريّات الإنسانية حيث يتمّ من خلاله التعبير عن حاجات الفرد الذاتية وتحويلها لأعمال مجسّدة في صور وأشكال ورسومات، وينقسم إلى فنون ماديّة كالنحت والرسم، وفنون غير ماديّة كالرقص والموسيقى والدراما، ويطلق مصطلح فنان على الشخص الذي يستطيع تجميل المجتمع من خلال ابتكارات وأفكار جميلة يقوم بها.

ومن أهداف الفن تطوير وتغيير واقع المجتمع للأفضل وتحويل الأشياء صعبة المنال إلى ممكنة، من خلال استخدامه أدواته المختلفة، ونشر الحق والجمال والإبداع في كل مكان عبر أدوار عدة يؤديها الفنان:

  • دور اجتماعي: تحويل حياة الناس وأحزانهم وأفراحهم إلى صورة فنيّة.
  • دور تاريخي: تسجيل الإنجازات التاريخيّة، وبطولات القادة والملوك، وسجلات الأحداث الحضاريّة.
  • دور تراثي: استحضار صور من الماضي، وتحويلها لرسومات وتماثيل، للحفاظ عليها من الضياع والنسيان.
  • دور نفسي: التعبير عن الذات، من خلال تحويل كلّ دواخل النفس من أحاسيس ومشاعر إلى صور حسيّة، أو شكل منحوت.
  • دور تربوي: ترسيخ القيم الحميدة من خلال ممارسة الفنون، وتمييز الجميل من الرديء.

ويقول النجم السوري ياسر العظمة: "إن رسالة الفن تقديم الفائدة والتسلية والمعنى الملائم والمنسجم مع اهتمام الناس، ليساهم الفن بهذه الصورة في وظيفته الحقيقية في التعليم والتسلية. ويجب على الفن أن يبتعد عن تقليد الأعاجم ويتكيف مع طبيعة الشرق ويحاول الابتكار".

هبوط وتراجع

إنك إذ تقلب نظرك يمينا وشمالاً في مجتمعنا اليوم تكاد لا تصدق ما ترى، وتظن للحظة أنك تعيش كابوسا أو لعلك تحيا خرافة مثل خرافة الغول.

هبوط فكري سحيق وسطحية مفرطة وسذاجة وسماجة في أكثر ما تراه وتسمعه، التفاهة التي تسوق لها وتروج أكثر الأغاني والمسلسلات، لا توصف ولا تصدق، تسهم في تدمير المجتمع وتفتيت الأسر وتفكيك ما تبقى متماسكا منها.

التفاهة التي تجدها في أغاني ومقاطع الفيديو خاصة المغنين الجدد، يعجز لسان العرب والقاموس المحيط عن وصفها. بين "كيكي" و"حنان" وغيرهما من تفاهات وسخافات تضيع أجيالنا وأولادنا وشباب كالزهر، ومن ينجو من فتنة حنان يقع في شباك بعض البرامج الهابطة التي غزت الشاشات والمنصات ومواقع التواصل.

من مقاطع "سناب شات" و"إنستغرام" المصورة عديمة الفائدة، إلى برامج "الكاميرا الخفية" المفبركة، وتحت مسمى "الفن" تتسارع عملية الهبوط في هاوية الضياع والتيه؛ إنك لا تكاد تفيق من بلاء تفاهة حتى تصطدم بما هو أشد وأدهى.

ومن وراء ستار الفن ابتلينا في الآونة الأخيرة بـ"مشاهير" يجتهدون ليل نهار لصناعة التفاهات والسخافات، وقد ذاع صيت بعض هؤلاء الأشخاص ممن تفرغوا لتسطيح المواضيع والمفاهيم، في وقت كان يفترض فيه أن نصل إلى أعلى مراتب التقدم والتطور الفكري والحضاري في ظل التطور التكنولوجي والعلمي الذي شهدته البشرية مؤخرا.

أخطار وأضرار

كيف يمكن لفن "الشخبط لخابيط" و"كيكي وآلوآوا" و"يا حنان وسو يا سو" أن ينتج جيلا مثقفا قادرا على قيادة مستقبل الأمة ويتحمل مسؤوليات في شتى مجالات حياته.

إن الخلل الحقيقي لا يكمن في هؤلاء وحدهم، بل يكمن في الجمهور الذي يشجع ويدعم هذا النوع من الصناعة، ويحتضنه ويؤيده ويروج له، وبذلك يصبح لهؤلاء اليد الكبرى والحصة الأعظم في الانتشار، وما ذلك إلا بسبب الجهل وغياب الهدف فيما نريده من حياتنا.

يقول نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب في رواية الشحاذ "لم يبق في عصرنا اليوم من الفن سوى فن التهريج والسرك".

وإذا كان هذا حال الفن أيام محفوظ فماذا نقول نحن اليوم ونحن نجد هذا الكم الهائل من الأغاني والأفلام والمسلسلات التي لا تعالج قضايا الواقع بقدر ما أصبحت تبحث عن "المادة" بأي وسيلة كانت حتى فسد الذوق وانحرف انحرافا خطيرا هدم المبادئ السمحة العفيفة.

فهذا "فنان" يتغنى عن المخدرات والمسكرات، وآخر يشتم أعوان الأمن ورجال البوليس مما يساهم في الاحتقان وتأسيس علاقة عمودية بين المواطن والسلطة حتى يدخل المجتمع في فوضى وانحلال، وتفقد الدولة انسجامها وتماسكها.

إننا نتجه في ظل هذه التفاهة نحو مستنقع الجهل وهدم الحضارة وتقويض العلم والثقافة والأخلاق، مما قد يؤدي إلى انهيار المجتمع وجرف الجميع إلى مستنقع التفاهة والسخافات.

يتحدث الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة" عن سيطرة التافهين على الفضاء العام، ويقول إن أسوأ ما يعملون أنهم يصنعون "النموذج" الذي ينبغي أن نحذو حذوه، هم متهمون بصناعة قواعد الرداءة والمعايير الهابطة والسلوك المبتذل، وتغييب الجودة والأداء الرفيع والتعامل القائم على الذوق والتهذيب، وكانت النتيجة أن "تسيدت شريحة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية".

بيد أن البعض من الناشئة يرون أمثال هؤلاء الفنانين زعماء وقادة يحاولون أن يكونوا كما هم، لذا لا غرابة أن تجد تلميذا في الابتدائي يحفظ الكلمات ويردد الأغاني الفوضوية بدل تلك التي تربي على حب الوطن أو على العلم أو نشر قيم التصالح والتسامح.

إننا إن أمعنا النظر في واقعنا اليوم سنجد وكأن ساعة زمننا قد توقفت بينما تسير أمم نحو التقدم والقمة بسرعة الضوء، وإن أبرز الأسباب التي تكرس التفاهة في مجتمعاتنا هي الجهل والأمية والانغلاق والتخلف والتقليد الأعمى.

ولعل من بين أسباب التأخر العلمي والثقافي في العالم العربي خاصة الأزمة الثقافية الحادة، غياب الفن "النموذج" الذي يدفع إلى ما هو خير يفيد الإنسان ويرتقي به.

وعلينا ألا ننسى أن الفن هو ذلك الشيء المميز الذي ترى فيه نوعا من الإبداع والتألق و"الخلق"، هو ذلك الشيء الذي تستحسنه الحواس وترى فيه نوعا من الحياة، شيء يجعل الذات تعيش مع "كيانها" و"جوهرها" لحظات من "الاستمتاع " بروعة وجمال "الفن"، يدعونا إلى الخير ويجمله في العيون والقلوب، وينهانا عن الشر.