نصغي لصمتكم

نحن نعيش في عالم تحكم فيه وسائل التواصل الاجتماعي العالم بأسره
يسردون قصصهم التي مهما كانت فهي تعبر عن حاجة الناس للفضفضة التي ترهق ذواتهم (شترستوك)

أتابع بعض الحسابات الخاصة بالفضفضة في تويتر وإنستغرام، وتقوم هذه الحسابات على مبدأ السرية التامة حينما تُظهر المشكلة التي أرسلها لهم الشخص دون أن تبين اسمه أو حسابه.

وهذا ما جعلها قِبلة للكثير من الرجال والنساء الذين يبوحون فيها كل يوم عن مشاكلهم، ويسردون قصصهم التي مهما كانت فهي تعبر عن حاجة الناس للفضفضة التي ترهق ذواتهم، ورغبتهم الماسة في البوح الجاثم على صدورهم، والذي لم تعد أكتافهم قادرة على حمله.

فخرجوا من ذواتهم نحو جميع الخيارات الممكنة التي استطاعوا من خلالها التعبير عما يختلج في وجدانهم من كلمات لا يكفيها المداد، والحديث عن مشاكلهم التي سواء كانت صحيحة أم خاطئة، أو كان تفكيرهم تجاهها سليما أو سقيما، إلا أنها كسرت جدران صمتهم، وحافظت على وزنهم وسمتهم، وأبقت على ثبات وقارهم وخففت أثقالهم ونفّست عن همومهم وروحت عن ضيقهم.

إنها غربة الغربة التي يتعرى فيها الإنسان أمام نفسه في الزوايا الصامتة، فيقول ما لا يستطيع قوله أمام الناس، ويُبرز كمال ضعفه، ويتحدث عن الجوانب المحذورة، ويبوح بالأسرار المكتومة، ويفضفض عن الجروح المكلومة، وحينها كلما أحكم إغلاق باب غرفته فتح أبواب قلبه للبوح، وترك له جميع الأشرعة ممتدة في فضاءات الحكايات التي لا تنتهي.

ولم تنتهِ القصة عند هذا الحد، بل يبقى المتطفل الخفي فيتابع الحساب حتى ينشر قصته الغريبة والخالية من أدوات التعريف، فينكب عليها الناس الذين يعشق بعضهم الغموض، ويحبون سماع قصص المصائب أكثر من غيرها، ويشبعونها بتعليقاتهم الكثيرة والمليئة بالآراء المتباينة جدا بين "التأييد والرفض والحياد" ولا أدري حينها صاحب القصة أي رأي سيتبع، وأي قرار سيختار.

وبعيدا عن الفضفضة فإن من يتابع جميع القصص في هذه الحسابات يعرف أنه لا أحد مرتاح في هذه الحياة، ويتأكد أن الإنسان في الأغلب لا ينظر إلى النعم بقدر ما ينظر إلى النقم، ولا يتأمل الكمال بقدر ما يبحث عن النقص.

ويعرف أن الراحة الحقيقية تكمن في ذكر الله، وفي القناعة والاعتزاز بما نملك، وتعزيز الإيجابيات وتطوير السلبيات، والتعايش بقناعة وحب مع ما لا يمكن تغييره، وتفهّم الذات كما هي، ومحبتها بعيوبها ونواقصها، والمضي قدما نحو الأمل الذي لا ينتهي.