هبّة فلسطين.. مع المرابطات

5-فلسطين، القدس، المسجد الأقصى، جنود الاحتلال يمنعون النساء من الوصول لساحات المصلى القبلي في المسجد الأقصى(الجزيرة نت)
جنود الاحتلال يمنعون النساء من الوصول لساحات المصلى القبلي في المسجد الأقصى (الجزيرة)

وقد نلنا نصيبنا من الإفطار على تلك السفرة المباركة وأهلها وتذوقنا من لذيذ الطعام المقدسي ما قدر لنا من رزقنا المكتوب لا بد لي من الوقوف مرتين عند هؤلاء النسوة، مرة للإشادة بكرمهن وسخائهن في إطعام الطعام والتزام هذه السنة التي أوصى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- كل مسلم، وإن اعتماد هذه الخصال الشريفة في ظروف إبعادهن عن الأقصى ليدل على الدم الكريم الذي يسري في عروقهن.

والوقفة الثانية مع ما يحويه فعلهن من دروس في الصبر ومعانيه التي تجلت في جنس فعلهن، فهن المرابطات في الأقصى المبارك إذا انشغل عنه الناس، وهن الحاضرات عند كل مشهد، فإذا أبعدهن الظالم عنه قسرا -كما كان حالهن في تلكم اللحظات- صبرن ورحن يخدمن القادمين إليه في رمضان وفي غيره من الأيام.

ولقد علمت أنما يرسل الله ابتلاءاته لصقل معادن الناس، فمنهم من تقومه وتسمو به، ومنهم من تكشف هشاشة إيمانه وتظهر زيف أقواله "والناس معادن كالذهب والفضة" كما صدق الصادق عليه صلوات الله وسلامه.

وقد صار من النادر أن نقتفي آثار الصادقين في هذا الوقت الذي هوت به راية المسلمين، وكثر فيه التشتت والتبعثر تحت رايات أخر، وقصرت أيادي الناس عن الصلاح، وانشغلوا بما أشغلهم به غلابهم من السعي وراء المادة وتربيتها، إلا أن في هؤلاء النسوة اللاتي لا يخشين عدوا مسلحا ولا يدخرن جهدا عن إطعام كل جائع عابر ويضربن مثلا في إمكانية الثبات على الصراط المستقيم منارات باسقة لكل مريد تائه.

وأردنا هنا أن نجعل لهن توصيفا يكرم الظاهر القليل من تلك السجايا العظيمة، وما ذكرنا إلا غيضا من فيض وإلا فقد أكرمهن الله فوق ذلك أن جعلهن من جنس الإنسان، ثم زادهن كرما أن صيرهن مسلمات مؤمنات، ثم أكرمهن فوق ذلك الكرم فجعلهن للقدس خادمات وفيات كما جعل أمنا العذراء مريم -عليها السلام- من قبل، فلله درهن وعليه أجرهن كيف يصبحن على ثغر ويمسين على رباط.

وكم مر مثلنا من أصحاب الأمعاء الخاوية على هذا الزقاق فأطعمنه بالحب الصافي قبل أن يطعمنه الغذاء الشافي لحاجة جسمه من المأكل والمشرب كأنهن أمهات هذا البلد لا بناته، وكل واحدة منهن متفردة بوديعة الأمومة الإلهية من حيث إنها أنثى، ثم مجتمعات روحا روحا على واجب الرباط المقدس تجمعهن عقيدة وثيقة العرائك، فلله تلك القلوب التي اتسعت اتساع السماوات لكل حليف مكافح أو عابر مارق جاء في زيارة.

ولم يلبث أن عاجلنا نداء الصلاة عن البقاء وتبادل أطراف الأحاديث والأخبار، ورحنا نحث خطانا تجاه بيت الله المحاط بجنود اليهود وعبيدهم من العرب والأفارقة والأوروبيين من جهاته الأربع، يمتشقون لنا السلاح المعبأ بالرصاص والقلوب المحملة بالحقد، وهنا مكان وقفتنا الرابعة، لإشعار المسلمين في كل مصر وقطر بخطورة الحاصل، فإن قداسة المكان لم تأت من حجارته الصلبة ومبانيه الشامخة ولا هي نتاج فلسطينيته الجغرافية مع كل ما تحمله هذه المعاني من الجلال وتبثه في النفس من مشاعر الانتماء، ولكنها تأتي من أن نبي المسلمين قد صلى إماما هنا بالأنبياء جميعا، ثم هو أوصى بحفظ المكان ثم تنبأ باحتلاله وجعل المرابطين على أبوابه خير جند الأرض، فكأنني به -صلى الله عليه وسلم- والأنبياء -عليهم سلام الله- داخله محاطون بالإسرائيليين من كل طرف، ينظر أين هي تلك الأمة التي لطالما بكى شوقا لرؤيتها، وهو الذي لطالما رفع أكفه ودعا ربه أن ينجيها، فانظر أيها المسلم في حالك وراجع أولوياتك، ولا تكتف بالتضامن اللفظي ما دام بالإمكان أن يكون عمليا، ولا تكن كالذين نسوا أنبياءهم فأنساهم الله أنفسهم وهم ينظرون.

ودخلنا باحات المسرى الرحبة بشموخ قدرنا أنه سيسعد برؤيته النبي -صلى الله عليه وسلم- لو كان يرانا، ولم تنفك البركات تنسكب في نفوسنا انسكابا، وتعمل بقلوبنا أعمالها، فأوسعت حدودها وطهرت سوادها بما يوائم قدسية المكان، وانقلبت آية الضيق الجاثمة على صدري مذ وقفت أمام الجنود خائبا مدحورا عن دخول حي الشيخ جراح، سورة رحبة متواصلة الآي تلقي بين جنبي سماوية المعنى بسماوية ألحان الأذان وترتيل القرآن وضحكات الخلان التي قاطعتها بين الحين والحين أصوات أطفال يلعبون ويضحكون ويتسامرون في ساحات المسجد الواسعة، جنة قد اقتطعها التاريخ واحتكرها لنفسه آبيا تسليمها للحاضر المرتد على عقبيه.

فقمنا وصلينا ودعينا وناجينا، ثم أوتيت سنة من الله فما علمت نفسي إلا وقد غفيت عيني على سجاد المسجد الفواح برائحة المسك والصلوات، ونمت نومة أراح بها الله جوارحي ولطف بها بواطني ونقى بها أفكاري.

نهضت بعدها كما ينهض طفل قد سهت عينه وهو في حضن أمه آمنا مطمئنا، وقد حدسني خوف أن أكون قد بالغت في النوم فأضعت أجر القيام الذي كان الغاية الأولى في تلك الليلة التي نالت وساما من فاطر الليالي لم تنله لها نظيرة في أمة الليل، لأجد الوقت ما زال باكرا وأن نومي اقتصر على نزر يسير من الزمن، فناهضت النعاس والخبل، وسعيت نحو السوق أبتغي قدحا من قهوة القدس تعيد لعقلي توازنه الذي لبث نائما حتى تلك الساعة.

وما أبر القدس بأبنائها وبناتها ممن تصبروا على صراط النبي عليه الصلاة والسلام، فكل خطوة فيه رباط، ومنه رباط المكث على الثغر الذي يخشى أن ينقلب ساحة حرب في غمضة عين وإطلاقها، وكل حاجة لك تشتريها من أهلها رباط مال، ففيه تدعم مصالح المقدسيين، ولا أجد مالا وضعه مشتر في تلك الحوانيت والمطاعم إلا مالا يقع في يد الله -سبحانه- قبل أن يقع في يد العبد، وأنت بعد ذلك إما في صلاة تصليها تعدل 500 صلاة، وإما في تلاوة كل حرف تتلوه فيها يعود عليك بـ10 حسنات، فالجود كله والبركات قد أتتك بجهد منك غير مجهد لك.

والله الله إذا مررت تتحسس آثارا قد تركها لك أسلافك على الحيطان والأسقف تتحدث إليك بلغة قد شكلت حروفها جملا من الملك والبهاء، فتراصت وتلاصقت واتصلت بعضها ببعض لتبرز لك قصيدة أبياتها وقوافيها تردد جميعا "لا إله إلا الله"، وإني وإن رأيتني أسعى في ترجمة تلك الأحاسيس وأحاول استنطاق تلكم الزخارف فإني لست أنقل لك في أحسن حال سوى مثل ما يغرف المرء بكفه الصغير من المحيط الكبير مما استقر في القلب والفكر.

ولكل باطن -كما علمت- لغته التي لا تشبه سائر اللغات، فإذا أتيت تسعى في نقلها صرت كمن يحاول ترجمة كلام من لغة إلى أخرى غيرها، وكم فرطت الترجمات بالمعاني وحرفتها قصد مترجمها أم لم يقصد، فاعلم أن ترجمة أفكار القلوب إلى كلام الناس أعسر وأشقى، إذ في النفس ما هو فيها من مكنون العالم الأكبر الذي ليس لكل لغات العالم الأصغر إليه من سبيل، إذ ليس للعقل إليه من سبيل.