مجزرة التضامن.. ‏التأثيرات والأبعاد السياسية محليا ودوليا

صف الضابط أمجد يوسف مرتكب مجزرة حي التضامن بدمشق عام 2013
الضابط أمجد يوسف مرتكب مجزرة حي التضامن بدمشق عام 2013 (الصحافة البريطانية)

تعيد مجزرة التضامن تسليط الأضواء على القضية السورية التي غُيّبت قصدا، فإذا بها تغزو وسائل التواصل الاجتماعي بتفاعل ليس فقط على مستوى السوريين، بل على المستوى العربي والغربي، ولأول مرة منذ سنوات يعود الزخم الإعلامي للثورة السورية، والالتفاف حولها من مختلف النخب والتيارات السياسية، بعد أن ظن نظام بشار الأسد أنه استطاع طي الملف السوري وبدأ مرحلة جديدة بمساعدة حلفائه لإعادة تدوير نفسه وهو المتورط بجرائم حقوقية مهولة لم نعرف ولم نسمع عنها إلا القليل.

فما تثيره القضايا الحقوقية من تفاعل على مستوى الرأي العام العالمي يؤثر بشكل كبير على القرارات السياسية، لذلك نشرُ صحيفة الغارديان لهذه المجزرة لم يكن محض الصدفة، بل هو توجه سياسي صادر عن دوائر القرار في المملكة المتحدة من خلال أذرعها الإعلامية، خاصة وأن بريطانيا من الأطراف المتحكمة في الملف السوري من خلال الملفات الحقوقية والقانونية التي لم يوفر نظام الأسد أي فرصة لانتهاكها، إذ إن سجله متخم بكل أنواع وأصناف الجرائم التي لا يمكن طمسها أو تغييبها بأي شكل من الأشكال.

وهنا سنقف معكم على 3 نقاط هامّة تتعلق بالأبعاد السياسية لمجزرة التضامن المروعة.

أولا: مجزرة التضامن تربك نظام الأسد

على الرغم من أن المجتمع الدولي ما زال رافضا لعودة شرعية نظام الأسد، فإن الأسد ومن خلال شبكة علاقاته حاول إعادة الشرعية لنظامه المنهك، فارضاً بذلك سياسة الأمر الواقع، إذ إنه ما زال يتمسك بجميع السلطات في سوريا ولو صوريا، وما زال يحتفظ بمقعده في الأمم المتحدة، ولهذا حاول نظام الأسد إعادة تدوير نفسه، فرأينا زيارته لأول مرة لدولة عربية خليجية، وقدم نفسه كسلطة تستطيع استيعاب أزمات الهجرة واللجوء التي سببها، والتي أثقلت كاهل الدول المعنية باللاجئين مستغلاً الأزمات الاقتصادية التي تحيط بتلك الدول، فإذا به يتفاجأ بنشر صحيفة الغارديان البريطانية تحقيقا استقصائيا حول مجزرة التضامن.

يُظهر التحقيق مقاطع صادمة أحرجت حتى من يحاول إحياء هذا النظام، خاصة وأن هذه المجزرة المروعة تُصنف كجرائم تحمل صبغة طائفية وفقا لمنظمات حقوقية، لذلك سارع نظام الأسد ولأول مرة للإفراج عن بضع مئات من المعتقلين من سجونه، والذين يشكل عددهم أقل من 0.5% من عدد المعتقلين والمختفين قسرياً البالغ عددهم ما يزيد عن 100 ألف، وفقا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، محاولاً بذلك تغييب مجزرة حي التضامن عن الإعلام من خلال تداول المنصات الإعلامية أخبار الذين أُفرج عنهم، وقد نجح إلى حدٍ ما في الوصول إلى هدفه بتشتيت الانتباه حول المجزرة الوحشية الفظيعة التي حدثت بحي التضامن، مستغلاً أولئك المعتقلين مرة ثانية بطريقة خبيثة كما اعتاد.

ثانيا: مجزرة التضامن ورقة سياسية بيد الغرب

الملف السوري شائك جدا، وله أبعاد دولية بسبب تدخل أطراف كثيرة فيه، ولا نستطيع أن نفصل الملف السوري عن الملف الأوكراني، لأن روسيا هي أهم فاعل في الملفين، لذلك من الممكن أن تتحرك بريطانيا الحليفة لأوكرانيا من خلال أجهزة مخابراتها وأجهزتها الإعلامية بإرسال رسالة سياسية إلى روسيا. وبريطانيا بطبيعة الحال تفضل مصالحها في أوكرانيا على مصالحها في سوريا بسبب تهديد روسيا المباشر لحدود الاتحاد الأوروبي، مما يفرض على المملكة المتحدة التزامات أكثر تجاه حلفائها في أوروبا لأسباب أخرى، ولهذا فبريطانيا حركت الملف الحقوقي للقضية السورية مقابل مكاسب على الجهة الأخرى في أوكرانيا، خاصة وأن الملف السوري يصلح جدا للاستثمارات السياسية للدول المتصارعة، وحدث مثل هذا مرات عديدة في الملف السوري سابقا. باختصار لا يوجد من يدافع عن حقوق السوريين وثورتهم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجد البريطانيون انتهاكات حقوقية صارخة تضغط على الروس إلا في سوريا.

ثالثا: مجزرة التضامن بداية لمحاسبة نظام الأسد

إذا كنا متفائلين تجاه القضية السورية والثورة السورية، يمكن أن يكون هذا التحقيق بداية لفتح الملف الحقوقي والقانوني المتعلق بالقضية السورية، وتجهيز الرأي العام العالمي -الذي انطفأ بشكل أو بآخر حول الثورة السورية- للتحرك عسكريا ضد نظام الأسد ومليشياته في سوريا، وخاصة أننا رأينا قبل شهرين توعدا من الولايات المتحدة الأميركية من خلال حسابها على تويتر بملاحقة نظام الأسد ومحاسبته على جرائمه بحق السوريين، ولا بد أن نعلم أن الحرب الأوكرانية ستلقي بظلالها على الملف السوري.

ختاما، من المؤكد أن نظام الأسد تأثر بسبب نشر الغارديان هذا التحقيق في هذا التوقيت خاصة، ولكن تختلف وجهات النظر والدوافع السياسية لتحريك الملف الحقوقي بعد هذا الزمن على صعيد وكالات مؤثرة على مستوى الرأي العام الغربي مثل صحيفة الغارديان البريطانية، وبكل تأكيد بريطانيا وأجهزتها الاستخباراتية تحتفظ بكثير حول انتهاكات نظام الأسد، ولكن علينا أن نتفق جميعا على أن أهم ما أحدثه نشر التحقيق هو توحيد السوريين من جديد حول قضيتهم، وتسليط الضوء بشكل أوسع عما كان سابقاً حول القضية السورية على الصعيد العربي والغربي، مما يثبت أن الإعلام والمنظمات الحقوقية ما زالت سلطة حقيقية تستطيع هز عروش الطغاة والمستبدين.