شعار قسم مدونات

نافذة على كتاب "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون

"سيكولوجية الجماهير".. أول كتاب في تفسير ثورات الشعوب
"سيكولوجية الجماهير".. أول كتاب في تفسير ثورات الشعوب (الجزيرة)

للجماهير كلمتها وتأثيرها وفعلها.. فهل لنا أن نعتبر إرادة الجماهير معيارا للحق وتجسيدا للحقيقة؟!

ما مدى تعقُّل تلك الإرادة واتزانها؟ أهي التي تقود حركة التاريخ، أم أنها مجرد صدى لإرادة الزعيم الذي يعطيها حركتها ووجهتها؟

تلك هي بعض التساؤلات الكبرى التي يثيرها غوستاف لوبون، الذي يُعتبر مؤسس "علم نفسية الجماهير" في كتابه الأشهر "سيكولوجيةٍ الجماهير". وبشأن هذا الكتاب نفتح من هنا نافذة لنسلط الضوء على أبرز ما فيه.

لا بد من الإشارة بداية إلى أننا لا نستطيع الفصل بين هذا الكتاب والظروف التاريخية التي ساهمت في بلورة فكره. فقد صدر الكتاب عام 1895، وكان قد مضى آنذاك أكثر من قرن على انطلاق الثورة الفرنسية، التي شكلت منعطفا هاما في تاريخ القارة الأوروبية والعالم، وكانت تداعياتها وارتداداتها مستمرة لم تنته وقتذاك. وتجلى في تلك المرحلة هجوم الجماهير على مسرح التاريخ بشكل أثار ملاحظات عديدة لدى لوبون، ودعاه إلى دراسته ومحاولة فهمه.

والجمهور الذي تناوله لوبون بالدراسة في كتابه لم يقصد به مجرد مجموعة من الأفراد يجدون أنفسهم متجمعين إلى جانب بعضهم بعضا عن طريق المصادفة من دون أي هدف محدد، وإنما عنى به "الجمهور النفسي" الذي يتشكل من خلال تعاطي أفراده مع قضايا مشتركة، بشكل يخضعون خلاله لتأثيرات مشتركة، ومعه تغدو الميزة الأساسيّة للجمهور هي انصهار أفراده في روح مشتركة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية، وتخفض من مستوى الملكات العقلية. وهذا يعني أن الروح الجماعية التي تسودهم تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس ويفكر ويتحرك بها كل فرد لو كان معزولا.

مع هذه الحالة التي يبينها الكاتب يجد أن الشخصية الواعية للفرد تتلاشى، ويصبح سلوكه شبيها بسلوك شخص خاضع لحالة تنويم مغناطيسي. ويتعاظم دور الخيال والإثارة والعاطفة في تحريك الجمهور، في حين يتراجع في ذلك دور العقل والمحاجات العقلية.

وجمهور هذه حاله يمكن له، بحسب ما يرى لوبون، أن يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ. وكل شيءٍ يعتمد على الطريقة التي يتم تحريضه أو تحريكه بها. وهذه هي النقطة التي جهلها الكتّاب الذين لم يدرسوا الجماهير من وجهة نظر الجرائمية. فصحيح أن الجماهير كثيرا ما تكون مجرمة، ولكنها كثيراً ما تكون أيضا بطلة. فمن السهل اقتيادهم إلى المذبحة والقتل باسم انتصار عقيدة إيمانية أو فكرة ما، ومن السهل تحريكهم وبث الحماسة في مفاصلهم من أجل الدفاع عن المجد والشرف. وبالإمكان تجييشهم واقتيادهم من دون خبز وسلاح تقريبا كما حصل أثناء الحروب الصليبية، وهذا يعتمد إلى حد بعيد على شخصية القائد وهيبته، وفهمه لنفسية الجماهير، وقدرته على إدارتها وتوجيهها.

ووجود القائد حاجة أساسية للجماهير، وهنا يرى لوبون أنه ما إن يتجمع عدد من الكائنات الحية، سواء أكان الأمر يتعلق بقطيع من الحيوانات أو بجمهور من البشر، حتَّى يضعوا أنفسهم بشكل غريزي تحت سلطة زعيم ما، أي محرك للبشر أو قائد. والكثرة تصغي دائما للإنسان المزود بإرادة قوية، وبما أن الأفراد المتجمعين في الجمهور يفقدون كل إرادة، فإنهم يتجهون غرائزيا نحو ذلك الشخص الذي يمتلكها.

والجماهير قد لا تبخل بحياتها عندما يتمكن القائد من إحداث الهياج الشعبي فيها، ويشهد لذلك أن جنرالا في الجيش، هو نابليون بونابرت، أصبح شعبيَّا فيما بعد، واستطاع أن يسوق معه مئة ألف شخص مستعدين للتضحية بأنفسهم من أجل قضيته.

ومع كون الجماهير، بحسب تصور الكاتب، سريعة الانفعال والتأثر، وساذجة يمكن أن تصدق أي شيء، فإنه لن يكون مطلوبا من القائد للتأثير عليها أن يخوض معها محاجات عقلية وبراهين منطقية، وإنما المطلوب أن يستدر عواطفها بعنف ويثير خيالاتها بقوة، وهنا يسوق الكاتب لنابليون كلامه العميق في مجلس الدولة الفرنسي: "لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعد أن تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي، وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا، ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعبا من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان".

وللجماهير آراء وعقائد تساهم في تشكيلها عوامل بعيدة وأخرى قريبة. فالعوامل البعيدة تجعل الجماهير قادرة على تبني بعض القناعات وغير مؤهلة لتبني قناعات أخرى، وفي تفصيل هذه العوامل يضع الكاتب العرق في المرتبة الأولى، لأنه وحده أهم من كل العوامل الأخرى مجتمعة. والعرق التاريخي ما إن تتشكل خصائصه وعقائده ومؤسساته وفنونه، وباختصار كل عناصر حضارته، حتى يصبح التعبير الخارجي لروحه. وبعد العرق تأتي ضمن عوامل أخرى كالتقاليد الموروثة التي تُعتبر بمثابة القادة الحقيقيين للشعوب.

أما العوامل المباشرة فهي تلك التي إذا ما تراكمت على ذلكَ العمل التمهيدي الطويل الذي لا يمكنها أن تفعل فعلها من دونه، أثارت الإقناع الفعال لدى الجماهير. ومنها ما يتم إبرازه من صور وشعارات مؤثرة، وكلمات وعبارات موحية، وأوهام وتجارب مثيرة.

ويبقى للقادة الكبار أن يديروا هذه العوامل بشكل ناجع وفعال لتحريك الجمهور إلى الوجهة التي يريدونها.

في تصنيفه لفئات الجماهير، يتحدث الكاتب في فصل مستقل عن الجماهير المدعوة بالمجرمة، ويذكر أن جرائمها تنتج عن تحريض دائم، والأفراد الذين ساهموا فيها يقتنعون فيما بعد بأنهم قد أطاعوا واجبهم، وقاموا بأعمال مجيدة، وطبق قناعة طبيعية يدعمها ما وجدوه من استحسان.

ولا يجد لوبون فروقا حقيقية بين فئات الجماهير في تبعيتها وضعف دور العقل في سلوكها، وخضوعها للإثارة والتحريض، فجمهور تشكله المجالس النيابية مثلا لا يختلف كثيرا عن جمهور عامة الناس الذين يتحركون في الشارع.

ما تقدم يشكل أبرز النقاط التي قامت عليها رؤية غوستاف لوبون لسيكولوجية الجماهير، وهي رؤية قد يراها أناس دقيقة وواقعية، وقد يراها آخرون خاطئة يخالفها واقع الجمهور الذي تتجنى عليه. ولعلنا نجد تبريرا لوجود موقفين متضادين تجاهها إذا أخذنا بالاعتبار أن كلاً منهما يقارنها بواقع يحيط به، وواقع الناس وطرائق عيشهم وتفكيرهم أمور يعتريها التغيير. ولعل الصورة التي قدمها غوستاف لوبون يراها اليوم شعب ما بالنسبة له تاريخا مضى ولن يعود، في حين أنها بالنسبة لشعب آخر واقع مَعيش.