شعار قسم مدونات

بين المشاهد والمسموع والمقروء

Nagwan Lithy - لا تسمح للأطفال باستخدام الشاشات في غرف النوم الخاصة بهم (بيكساباي) - ماذا تعرفين عن أعراض متلازمه الشاشات الإلكترونية لدى طفلك؟
الذاكرة الصورية للناس أصبحت راسخة في الأذهان أكثر مما تسمع وتقرأ (الجزيرة)

(منور، حيك يا غالي، ما تبلى هالطلة) هذه الكلمات وسواها كانت أغلب التعليقات على منشور على صفحتي الشخصية على فيسبوك، بعد أن قمت بنشر صورة لي وأنا على إحدى القنوات المحلية التي استضافتني في برنامج سياسي بحكم دراستي العلوم السياسية التي شارفت على التخرج منها، ولأن جزءا من الحديث يتعلق بمسقط رأسي دير الزور مع رابط الحلقة كاملة.

المشاهد: لا نبالغ بالقول إن الذاكرة الصورية للناس أصبحت راسخة في الأذهان أكثر مما تسمع وتقرأ، والصورة تلقى تفاعلا عند الناس بدرجة لافتة، والتعليقات تكون من قبيل ما أوردناه في البداية بالمضمون ذاته باختلاف اللهجات في منطقتنا العربية.

في تجربتي الشخصية التي أوردت، لم يفاجئني أن نصف من علق لم يشاهد الحلقة في الغالب، ربما لأن الناس قد ملّت من الحديث في السياسة وخباياها واجتهاد الضيوف -الذين كنت أحدهم- في تحليلها ومحاولة قراءة سلوك الساسة واستشراف مستقبل تحرك الدول في قضية ما.

لتحصد الصورة من الثناء والدعوات والتقدير ما غطى على ما تحدثت عنه، وقلة ممن علق ناقش بصلب الموضوع الذي استُضفت من أجله.

ربما تحوّل الوعي الجمعي للناس باتجاه كل شيء مشاهد لغلبة التكنلوجيا الحديثة بهذا الاتجاه، ربما لأن ما يشاهدونه يجيب عن أسئلة بداخلهم حتى دون أن يطرحونها من قبيل الانفعالات ولغة الجسد للشخص الذي يرونه التي يحاول الشخص التحكم بها ما استطاع وقد ينجح بذلك بكثرة المران، أو حتى مرض الشخص من عدمه، أو أنه بأحسن حال ورغد عيش، وسواه من الملاحظات التي يفسرها المشاهد حسب ما يريد بإجابات ترضي شيئا داخله، صحت تلك الملاحظات أم لم تصح.

لكنا نرى أن في هذا انتصارا للمشاهد على حساب قرينيه في ثلاثيتنا -العنوان الذي اخترناه- بغير عدل ولا إنصاف، لما برقت في ذهني فكرة هذه السطور بعد تسجيل ملاحظتي عن تجربة شخصية خضتها، كانت الإعلامية شيرين أبو عاقلة -رحمها الله- قد استشهدت، مما عزز لدي هذا التصور.

لسنا بصدد التقليل من شأن أي شخص يمارس الظهور المرئي، وأكرم به من ظهور حين يكون دعما لقضية عادلة ويظهر من أجلها ويناضل في سبيلها كما في حالة الشهيدة شيرين.

لو اختار القدر سواها شهيدا/ة من فريق يرافقها من معدين ومصورين وفنيين.. إلخ، لا أتصور أنه سيلقى الاهتمام ذاته لأن الناس ببساطة لا تعرفه ولم تشاهده.

بالمجمل يظل للصورة أثر كبير قد يساوي ألف خطاب منطوق وألف صفحة مكتوبة، ويظل المثال الأبرز على ذلك كيف أن صورة قد أنهت حربا، فالطفلة الفيتنامية "كيم فوك" التي ظهرت في صورة وهي عارية محترقة أثارت موجة سخط واستياء اتجاه الولايات المتحدة وتعاطفا كبيرا لدى الناس حتى الأميركيين منهم، وكانت من أسباب إنهاء الحرب الأميركية على فيتنام.

حتى أدب الرحلات الذي كان يوما ما يدونه الرحالة عن مشاهداته ونقرؤه بمتعة ويكون أحيانا وثيقة تاريخية، بات اليوم صورة، فأغلبنا اليوم حين يذهب لمكان ما؛ أثري، أو يقابل سكانا أصليين بزيهم التقليدي، لن يكتب حرفا واحدا عن تلك الأسفار والمشاهدات، سيكتفي بصور لذاك المكان أو أولئك السكان.

شخصيا أرى أن كتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" لمحمد بن عبد الله الطنجي (ابن بطوطة) مكتوبا بحروف بها روح أبلغ من صور كان سيستبدل بها تلك الحروف إن أدرك آلات التصوير ربما.

المسموع: ربما كاد ينقرض المسموع بظهور التلفاز بعد الراديو لدرجة أنه لم يعد من المجدي الكتابة عنه، لو لم يكن للتكنلوجيا رأي آخر، فقد عاد المسموع للظهور بعد أن أصبح الراديو الذي يبث عبر الشبكة العنكبوتية سهل الإطلاق بإمكانات بسيطة غير مكلفة، كذلك انتشار ظاهرة البودكاست، وحرصت كبرى المحطات والمؤسسات الإعلامية على استخدامه وإرفاق الخدمة الصوتية في منصاتها، والجزيرة مثال على ذلك.

يلجأ الناس للمسموع بدرجة أقل من المشاهد وأكثر من المقروء، وسط بين هذا وذاك، فهو سهل الاستخدام وبإمكانك الاستماع أثناء استقلالك الحافلة، أو أثناء مزاولتك العمل دون أن يشغلك عنه.

الصوت كما الصورة والفيديو وإن بدرجة أقل يستطيع المستمع من خلاله تكوين الانطباعات عن الشخص الذي يسمعه، وقد يرضي المستمع فضوله بتخيل صوت المتحدث من قبيل أن التوتر باد على صوته، أو أنه حزين أو أنه متحمس لما يقول وسواها من الانطباعات التي قد يتخيلها السامع.

يظل للمسموع وقعه الخاص، حتى تشكلت ذاكرة سمعية، إن جاز التعبير، فديواننا نحن معشر العرب (الشعر) ذاكرة سمعية، حتى إن غالبه وصل إلينا مشافهة أكثر مما وصلنا مكتوبا وليست الست (أم كلثوم) في العقود القريبات الخاليات ببعيدة عنا في معرض حديثنا هنا، فجل من يطرب لها ويترنم بأغانيها لا يعرف من كتب تلك الكلمات.

المقروء: تركناه لآخر الحديث في ثلاثيتنا، ربما لأنه أضحى الأقل انتشارا رغم أنه سبق قرينيه بنشر الوعي وإحداث التغيير في المجتمعات، أو للاستطراد فيه أو لشجن الحديث عنه، يظل للكتابة سحر يستلذ به من يمارسه.

فكما يستطيع المشاهد أو المستمع تكوين انطباع عمن يشاهد أو يستمع، يستطيع الشيء ذاته عمن يقرأ له وإن بدرجة أقل.

صحيح أن من يكتب لم يعد يستخدم الورقة والقلم، وبات مطلوبا منه الإلمام بمهارات الكتابة عبر برامج الحاسب، ولكن يظل بإمكانه التمتع باستخدام لغته العربية مثلا، والاجتهاد في فنونها كالاستعارة والتشبيه والتفضيل، والحرص بطبيعة الحال على تشكيل الكلمات واستخدام علامات الترقيم.

والأهم إرسال ما بين سطور لن يتلقفه إلا كيس، فطن، نبيه، أو شخص أدمن القراءة ويحب الكتابة، يميل لها مثلي على حساب القرينين الآخرين المشاهدة والاستماع.

لن أستغرب أن عددا من سيقرأ هذه السطور أقل بكثير بالمقارنة مع ظهور كاتبها في لقاء مشاهد أو مسموع، لكن متعة الكتابة التي يكفيك لها خيال متفتق ولغة سليمة بأقل تقدير، لن تحتاج للغة جسد وحرص عليها حين تتحدث بها والناس تشاهدك، ولا صوت تحاول ضبط مقامه ونبرته، حسبك أن ما تكتب نابع من إحساس فيه فكرة ورسالة تحاول إيصالها.

وأخيرا يا معشر الناس الله الله في القراءة وفي الكتاب، لا تحرموا أنفسكم لذة الاستمتاع بها أو حتى ممارستها ما استطعتم إلى ذلك سبيلا وإنْ عبر حاسوب أو هاف جوال، وهذا أضعف الإيمان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.