شعار قسم مدونات

اغتيال شيرين أبو عاقلة والمحكمة الجنائية الدولية.. كي لا نبالغ في التوقعات

تحديات تواجه عمل المحكمة الجنائية الدولية
المحكمة الجنائية الدولية (الجزيرة)

لا تزال جريمة اغتيال مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة الأربعاء 11 مايو/أيار 2022 على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء تغطيتها أحداث مخيم جنين بالضفة الغربية تتردد أصداؤها؛ فهي الصحفية التي وثقت لمدة 25 عاما بالصوت والصورة الكثير من جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، تلك الجرائم التي ما انفكت تتحدث عنها بشكل شبه يومي وسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية الدولية.

وكان إعلان إسرائيل في الأيام الماضية أنها لن تقوم بإجراء تحقيق في مقتلها بمثابة صدمة، وعدّه البعض جريمة جديدة ترتكب في حق الراحلة. وعزز هذا الإعلان المطالبات بإحالة القضية برمتها إلى المحكمة الجنائية الدولية لوضع حد لسياسة الإفلات من العقاب إزاء الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في حق الفلسطينيين، تلك السياسة التي تعودت عليها إسرائيل منذ نشأتها عام 1948 في ظل غياب محاسبة حقيقية من قبل المجتمع الدولي.

ولا شك أن تأسيس المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 كان من بين أغراضه الأساسية وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب وردع مرتكبي جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي قد ترتكب ضد المدنيين، بمن فيهم الصحفيون. وعلى خلاف محكمة العدل الدولية التي تختص بالتقرير والحكم في النزاعات القانونية بين الدول، فإن المحكمة الجنائية الدولية ليست مختصة بالنظر في المسائل المتعلقة بتسوية تلك النزاعات أو في الأمور المرتبطة بمسؤولية الدولة، لكنها مختصة بالتحقيق والحكم في القضايا المرتبطة بالمسؤولية الجنائية للأفراد.

فالمحكمة تمارس ولايتها على الأفراد فقط، وبغض النظر عن الصفة الوظيفية أو المركز الوظيفي الذي قد يتمتعون به، وهو ما يعني أن الصفة الوظيفية لن تعفي الشخص من مسؤوليته الجنائية أمام المحكمة، كما أن الدفع بمسألة الحصانة لن يجدي نفعا أو يمنع المحكمة من ممارسة قضائها على الشخص المتمتع بها. ولنا في قضية الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير المنظورة أمام المحكمة الدولية خير مثال على ذلك. ومن حيث الموضوع تختص المحكمة بالنظر فقط في الجرائم المنصوص عليها في المادة 5 (1) من ميثاق المحكمة، ألا وهي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان.

وفي ما يتعلق بالمراسلين الحربيين، أو بصفة عامة بالصحفيين العاملين في مناطق الحرب أو الأراضي المحتلة، التي تطبق فيها قواعد القانون الدولي الإنساني؛ فإن استهدافهم بالقتل أو الاعتداء العمدي عليهم جسديا يعد جريمة حرب طبقا للمادة 8 من ميثاق المحكمة.

لكن حتى لا نبالغ في التوقعات، فإنه ينبغي أيضا القول إن ممارسة المحكمة قضاءها يكون مقصورا فقط على تلك الجرائم المنصوص عليها في الميثاق، التي ينبغي أن يتوافر فيها أيضا شرط أن تكون على درجة من الثقل بحيث يهتز لارتكابها المجتمع الدولي بأسره. ويقيد الميثاق الولاية القضائية للمحكمة لصالح القضاء الوطني، فعمل المحكمة الجنائية الدولية يعد من حيث المبدأ تكميليا للقضاء الوطني؛ فللمحكمة أن تمارس قضاءها فقط في حالة أن تكون الدولة العضو بالمحكمة ويحمل جنسيتها الشخص أو الأشخاص المتهمون بارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في ميثاق المحكمة غير قادرة من الناحية الفعلية أو غير راغبة بشكل جاد في إجراء تحقيق محايد ومستقل أو في إجراء الملاحقة الجنائية للمتهمين بارتكاب إحدى هذه الجرائم.

والأمر نفسه ينطبق في حالة الدولة العضو التي وقعت على أراضيها إحدى تلك الجرائم، ويستثنى من مبدأ إعطاء الأولوية للقضاء الوطني أيضا في حالة إحالة القضية من قبل مجلس الأمن الدولي إلى المحكمة الدولية طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وبناءً عليه فإن المحكمة الجنائية الدولية لن تأمر بفتح تحقيق في إحدى الجرائم المرتكبة ضد المراسلين الحربيين إلا إذا توافرت شروط القبول للدعوى المنصوص عليها في ميثاق المحكمة، والتي من بينها شرط أن تكون الجريمة على درجة من الثقل والخطورة بحيث يهتز من جراء ارتكابها المجتمع الدولي كله.

فإذا ما عدنا إلى قضية اغتيال مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، وهي الجريمة التي اهتز لارتكابها العالم كله؛ نجد أن إعلان إسرائيل نيتها عدم إجراء تحقيق في قضية مقتلها لعدم وجود شبهة جنائية حسب زعمها يستشف منه أن السلطات الإسرائيلية لن تجري تحقيقا، أو أنها في حالة إجرائه فلن يكون محايدا ومستقلا. وعليه فإن السلوك الإسرائيلي في هذه القضية قد مهّد بقوة لأن تقوم السلطة الفلسطينية بإحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ فقد أعلن وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي الاثنين الماضي قيام وزارته بإحالة تقرير إلى المحكمة بشأن اغتيال شيرين أبو عاقلة.

ورغم عدم انضمام إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية فإن قبول المحكمة عضوية فلسطين في الأول من أبريل/نيسان 2015 يجعل لها ولاية جنائية على الأراضي الفلسطينية. وأكدت المحكمة في الخامس من فبراير/شباط 2021 أنها تتمتع بصلاحيات تجيز لها النظر في الأوضاع بقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

ولئن كان صحيحا أن ميثاق المحكمة الجنائية الدولية يقصر حق إحالة الدعاوى الجنائية إليها على الدول المنضمة إلى المحكمة وعلى مجلس الأمن الدولي، ولا يعطي هذا الحق للأفراد أو الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني؛ فإن الأخيرين باستطاعتهم أن يتقدموا بالشكاوى والمعلومات إلى المحكمة الجنائية الدولية بخصوص ارتكاب جرائم معينة تقع ضمن نطاق عمل المحكمة  الدولية آملين أن تدفع هذه المعلومات وجديتها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى الأمر ببدء تحقيق في القضية، ومن هنا تأتي أهمية تقديم نقابة الصحفيين الفلسطينيين وبدعم من الاتحاد الدولي للصحفيين شكوى إلى المحكمة الدولية بسبب استهداف إسرائيل الصحفيين خلال عدوانها على غزة وتدميرها مقرات المؤسسات الإعلامية في برجي الشروق والجوهرة في 12 مايو/أيار 2021. وصدرت أخيرا تعهدات بإضافة مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة إلى ملف الشكوى المقدم إلى المحكمة.

وقد يكون من الأهمية أن نؤكد هنا من جديد أن القانون الدولي الإنساني يحرم الهجوم أثناء الحرب على الأشخاص المدنيين وعلى المؤسسات المدنية، ويعد تعمد استهدافهم جريمة حرب. ولما كانت المؤسسات الإعلامية مثل مقرات الصحف والإذاعة والتلفزيون تعد من حيث الأصل مؤسسات مدنية وليست أهدافا عسكرية ما دامت لا تستخدم كوسيلة تواصل لأغراض عسكرية؛ فإنه يمكن القول إن الهجوم على المؤسسات الإعلامية الفلسطينية يعد خرقا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني، وهو جريمة تضاف إلى بقية جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الصحفيين، بما فيها الجريمة الأخيرة التي راحت ضحيتها مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة.

والحقيقة يمكن أن نلاحظ هنا أنه بالإضافة إلى الاعتبارات القانونية التي تحكم عمل المحكمة الجنائية الدولية، مثل ضرورة توافر شروط قبول الدعوى أمام المحكمة التي ينبغي استيفاؤها كي يتسنى للمحكمة أن تأمر ببدء تحقيق في القضية، فإنه ينبغي أيضا ذكر أن المحكمة التي يفترض فيها أنها تلتزم في عملها بمبدأ الحياد، إلا أن قرارات المحكمة في السنوات الماضية ومنذ نشأتها تظهر أنها تخضع لموائمات سياسية خشية إغضاب الدول الكبرى صاحبة النفوذ المالي والسياسي. ويتجلى هذا الأمر بوضوح في حقيقة أن أغلب قرارات المدعي العام للمحكمة بالتحقيق كانت تتعلق بدول أفريقية، وفي السنوات الأخيرة انضمت إلى القائمة بعض الدول من أميركا اللاتينية.

وأيا ما كان قرار المحكمة الجنائية الدولية في قضية شيرين أبو عاقلة، فإنه ينبغي القول إن مجرد إحالة القضية إلى المحكمة أو حتى التلويح باللجوء إليها لا شك يمثل رادعا لإسرائيل أو حتى لغيرها من المسؤولين في تلك الدول التي أدمنت ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

فأمام المحكمة الجنائية الدولية لا تعفي الصفة الوظيفية صاحبها من المسؤولية الجنائية ولا يحول الدفع بالحصانة من ملاحقته جنائيا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.