شعار قسم مدونات

كيف تكسر المرأة "التابوهات" الخاطئة؟.. شيرين أبو عاقلة مثالا

لم تفكر بجدية في العيش بأميركا رغم حصولها على جنسيتها (الأوروبية)
وداعا.. شيرين أبو عاقلة (الجزيرة)

فجع المجتمع الفلسطيني صباح يوم 11 مايو/أيار الجاري بخبر مقتل المراسلة الصحفية الغنية عن التعريف شيرين أبو عاقلة، المرأة التي كانت صوت الكثير من الفلسطينيين في كشفها لعور رواية الاحتلال وفظاعة إرهابه.

وقد نالت أبو عاقلة -باستحقاق- تأبينا ورثاء مهيبين على صعيد المجتمع الفلسطيني والعربي، لقاء ما بذلته من جهود كبرى في سبيل إيصال الحقيقة للعالم بالصوت والصورة، في ملحمة طويلة الأمد مع آلة إعلام الاحتلال الإسرائيلي، من دون هوادة ولا خوف. الاحتلال الذي لم يكد يترك حقيقة عن واقع الصراع العربي الإسرائيلي إلا وسعى لطمسها أو تزييفها.

شيرين التي قضت أجمل سنوات عمرها وفيّة لقضية شعبها، الشعب الذي وجدته يكابد أغلال الاحتلال منذ أن خطت أولى خطواتها في هذا البلد المبارك، قررت أن تكون تجسيدا للمثل العربي الذي دأب يصف المرأة القوية بأنها بألف رجل. أما شيرين باقتحامها للمهالك، وتضحيتها بعمرها وأمانها في هذا السبيل، فقد تركت كثيرا من الرجال يطأطئون رؤوسهم إجلالا وتقديرا لهذه المرأة على فخامة صنيعها.

لم تكن حيثيات مقتل شيرين تراجيدية بشكل استثنائي كما قد يظن بعض الغائبين عن المشهد، ففي هذا القطر من العالم، قد اعتاد الفلسطينيون على أن يصبحوا على نعي، وأن يمسوا على جنازة، بأشنع الطرق التي قد يتخيلها العقل، ولأوهن الأسباب لو فتشت عن السبب، أما الاستثنائي فقد كان سيل التعاطف والتضامن العارم اللذين أتيا من مشارق أرض العرب ومغاربها، حزنا على الصوت والوجه الذي دخل أغلب بيوتنا لسنوات طوال حتى صارت صاحبته كأحدنا ودليلا على قيمة المغدورة وتقديرها لدى هذا الكم الغفير من المظلومين.

قتلت شيرين بوحشية وهي تنقل وحشية الاحتلال، وعلى صدرها سترة قد كتب عليها بخط عريض أنها صحفية وليست مقاتلة، ولكن أنى لقتلة الأطفال والنساء والعجائز أن يجدوا بين جنبيهم من الرحمة والعدل ما يجعلهم يركنون للقوانين الدولية والإنسانية؟ وقد خرج علينا مسؤولون رفيعو المستوى في السياسة الإسرائيلية عقب نيل الحادثة صدى واسعا في الشوارع العربية ومواقع التواصل، يذرفون دموع التماسيح، ويقدمون الأعذار، ويحاججون لائميهم، كما هي عادتهم كلما تسرب خيط من نسيج الحقيقة إلى أبصار أحرار العالم وأسماعهم.

ولم يلبث الرثاء في هذا المصاب الجلل يزداد ويتكثف، حتى بدأ الناس يسردون من فضائل شيرين ما لم يكن للناس به علم. يقول "محمد السعدي"، وهو مرابط معتكف قد قدر لي الله أن التقي به في رحاب الأقصى رمضان المنصرم، "يشهد الله، وأشهد أنا، أن شيرين كانت تشتري من حر مالها إفطارا للصائمين في رمضان". وخرج آخرون ورددوا كلاما شبيها، وعددوا فضائل مختلفة، ليزداد تأثر الناس وتنموا أحزانهم حتى تحول الحديث عنها إلى جدل فيه أخذ ورد.

وجاء موعد الوداع، وانطلق نعش شيرين محمولا على أكتاف الفلسطينيين في موكب هائل وحشد غفير، وحناجر أهله تصدح بالتكبير، والمغدورة مسيحية الديانة! وإن هذا دليل قاطع على القيمة العظيمة التي تركتها شيرين في قلوب الفلسطينيين على اختلاف الأديان والأطياف والمعتقدات، فالمرأة حملت على كاهلها قضية الكل الفلسطيني، ولم تتوان للحظة في ولوج المخاطر لتحقق غايتها. وانقضت الشرطة الإسرائيلية، بإرهابها المعهود وعنجهيتها الفاضحة حتى أمام الكاميرات، على الحشود المرافقة لإيداع جثة شيرين مثواها الأخير. وصمد الفلسطينيون مجددا كما يليق بهم، لا توقفهم الهراوات ولا تخيفهم الرشاشات، يحملون أختهم ويرفضون تركها للمحتل الغاصب، حتى إن بعضهم وصل المشفى جراء ما لقي من اعتداء رجال الشرطة الصهاينة.

والآن وقد ركدت العاصفة وعادت المياه إلى مجراها -نوعا ما-، لا بد من التطرق لشيرين أبو عاقلة الحالة، المرأة التي كسرت "تابوهات" كثيرة ونجحت نجاحا صارخا، من غير أن تدخل مداخل تخل بالآداب العامة وتتخطى حدود الأخلاق. وليس هذا بالأمر العادي وإن ظننت، خاصة في هذا العصر الذي تسللت فيه ثقافات التعري والتكشف، لتستغل كثيرا من النساء وتدفع بهن بعيدا عن جادة الصواب، في سبيل تحقيق النجاح. فها هي شيرين، المراسلة الفلسطينية المحافظة على أصولها العربية، تقوم بما عجزت عن القيام به دول كاملة، أقولها ولا أبالغ، دول كاملة! وتفعل ذلك لمدة تزيد على العقدين بلا ملل ومن غير كلل.

وفاء لشيرين ولكل من قضى نحبه، ومن ينتظر، وهم ثابتون على مبادئ الشرف والكبرياء نقول لهم جميعا: شكرا على كل ما كان، سنفتقدكم هنا، الوداع.