لطالما ضمت تجاويفها صور الوجوه التي التقاها، وسجلت أحاديث الأحباب والأصحاب، وحفظت خرائط الأماكن والدروب.
على أطرافها انتشرت تفاصيل جلسات هانئة كانت تجمعه مع أسرته بعد كدح نهار طويل، وفي ثناياها كان قد فاح عبق الياسمين الذي تسلق جدار منزله، وفي ركن من أركانها تردد زمنًا صوت المؤذن في مسجد الحي ينادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح.. ومن هذا وذاك كانت ذاكرته تستقبل كل يوم أشياء جديدة، ليتعانق القديم مع الجديد على مساحة كان لها أن تتمدد ما تمدد العمر.
مثل غيره من الناس ذاق في حياته الراحة والتعب، وعاش ساعات مع السعادة وأخرى مع الحزن، وإنما لم ينتظر أن يعيش قبل الموت شيئًا يشبه انعطافة الحياة إلى الموت، لكن هذا ما كان، وابتدأت فصوله مع صوت ارتطام الحديد بالحديد، عندما أوصدوا خلفه باب الزنزانة. وبعنف صارخ صدمته لحظة دخوله تلك الزنزانة ملامح تاريخ من الآلام، تحكيه بلا كلمات أجساد بشرية عارية مكومة فوق أرض باردة عارية، فأدرك أن ذلك التاريخ سيعيد نفسه معه.
مع هذه الحال التي وصل إليها، ما كان له إلا أن يمتثل للأمر بالتوقيع على أوراق جاؤوا بها إليه، فيها اعترافاته بما لم يعرفه، لتكون وثيقة إدانته التي يُحكم بها عليه أن يمكث في هذه الأعماق تحت الأرض، متروكًا للمجهول، منسيًا
أصابه ذهول عاصف سرى في جسده، واستولى على تفكيره، ولكنه أراد أن يتماسك قليلًا، فاستحضر في ذهنه هويته وحقيقته، وبعضًا من حوادث الأمس، ولربما تلفَّت حوله ليتأكد من ابتعاد السجان فيردد لسانه الاسم الذي كان له، قبل أن تأتيه الأوامر بأن عليه أن ينساه، لأنهم أعطوه اسمًا جديدًا.. صار مجرد رقم، ينادى به فيجيب، وبه يقدم نفسه إن سُئل عن هويته.
علم أن المدى الذي كان يتجول فيه قد تقلص ليغدو محصورًا بين جدران زنزانة في قبو عميق تحت الأرض، وربما خطر له لوهلة أن الجدران التي حاصرت جسده لن تحاصر خياله، وأنه يستطيع أن يطلقه ليسترجع الصور والمشاهد التي عاشها، ولكن أول سوط انهال على جسده كان إعلان بدء بالعمل على خنق الخيال، ومحو الأماكن التي عرفها من ذاكرته.. ومن يومها غاب عن أيامه الليل والنهار، وفقد الشعور بتعاقبهما، ولم يعد الزمان يقاس بالساعات، وإنما بعدد السياط وجلسات التعذيب.
عاش حينًا مع حيرة قاتلة، تتردد فيها على ذهنه بإلحاح تساؤلات عن الأسباب التي سيق بها إلى هنا.. ما تهمته؟ ما جرمه؟ ما الذي فعله، وأغضب السلطة عليه؟! وبعدما أتعبه البحث عن إجابة، استسلم لحقيقة أنه لا جدوى في البحث أكثر؛ فيكفي أنه واحد من كثيرين بلغوا ألوفًا وألوفًا، لا يدرون فيمَ يسجنون وفيمَ يعذبون وفيمَ يقتلون؟!. إذ يكفي أن مزاج السلطة وجد فيهم ما يريب!
ومع هذه الحال التي وصل إليها، ما كان له إلا أن يمتثل للأمر بالتوقيع على أوراق جاؤوا بها إليه، فيها اعترافاته بما لم يعرفه، لتكون وثيقة إدانته التي يُحكم بها عليه أن يمكث في هذه الأعماق تحت الأرض، متروكًا للمجهول، منسيًا إلا من أصناف التعذيب التي يتفنن بها سجانون، هم كائنات لها شيء من صورة البشر، وأما الذي لها وراء ذلك فبهيمية قذرة، ودوافع دنيئة، ومرجعيات خبيثة، وكتلة لحم ودماء ممزوجة بحقد أسود.
كانت الساعات التي تمر دفقات من القهر والمهانة، تأتيه والمحيطين به مع كل نفَس وكل حركة، تأتيهم مع لقيمات يلقونها إليهم على أرض الزنزانة فتختلط بالدماء وبالقذر، وتزحف إليها من هنا وهناك حشرات تزاحمهم على النيل منها
كم كانت مديدة تلك الأوقات التي تركه فيها السجان معلقًا بحبل، يشده من معصميه إلى سقف لا يرفعه فوق أرض لا تحمله، مثل ذبيحة هيأها الجزار للسلخ، وفارق ما بينهما أن جسدًا غادرته الحياة فغادره الألم، وآخر بقي فيه بعض الحياة ليحمل كل الألم!. وكان عليه وهو على هذه الحال أن يتلقى لسعات سوط الجلاد، كأنما يحفر في الذاكرة أخاديد جديدة تحتوي تلك العذابات.
لم يعد غريبًا في عالمه الجديد أن الجسد الملقى على الأرض، وهو لا يستطيع حراكًا ولا يقوى على الكلام، قد يتحول وقد صعقه السجان بالكهرباء إلى كائن ينتفض بقوة هائلة، وتشق صرخاته صمت المكان، ليضحك الجلاد بعدها مستشعرًا نشوة النصر، وإن تركه إلى حين فليعود بعد ذلك إليه بسوط يحفر في الجسد، ويحفر في الذاكرة.
وعندما يستشعر السجين فظاعة ما يصبُّونه عليه من العذاب، فيجأر إلى الله باسمه كي يخلصه مما هو فيه، يتفجر المزيد من حقد اللئام عليه ليستحيل مزيدًا من السياط ومزيدًا من الشتائم، إذ لا يعترفون بإله إلا حاكمهم، ولا يرضون أن يُذكر إله سواه.
وإلى أخاديد الذاكرة صارت تأوي صور المعذبين، الذين رآهم قريبين منه يلفظون أنفاسهم الأخيرة، بعد أن تعبوا من الحياة، وتعبت منهم الحياة.. وموت الإنسان هناك لم يكن يعني الكثير، كل ما في الأمر أن السجان سيأتي يومًا ليأمر بسحب الجثة إلى حيث يتم التخلص من أثرها، ويشيعها بقهقهة يرقص على وقعها ألف شيطان.
كانت الساعات التي تمر دفقات من القهر والمهانة، تأتيه والمحيطين به مع كل نفَس وكل حركة، تأتيهم مع لقيمات يلقونها إليهم على أرض الزنزانة فتختلط بالدماء وبالقذر، وتزحف إليها من هنا وهناك حشرات تزاحمهم على النيل منها، ويتجدد القهر وتتجدد المهانة إذ يجدون زنزانتهم قد غرقت وغرقوا معها في مياه المجاري.
كم بدا له في عالمه هذا أن الموت، الذي سبقه إليه آخرون كانوا في زنزانته، قد يكون مصيرًا يريحه ويسعد بالسكون إليه، فألم الموت الذي تجرعوه ومضوا ما زال يتجرعه على الدوام.. يتجرعه مع كل ظفر ينتزعونه من جسده، ومع كل رشقة ماء مغلي يسلقون بها ذاك الجسد، يتجرعه مع كل سيل للشتائم يصبونه عليه بألفاظ تستحيي منها البهائم لو فقهت معانيها، يتجرعه مع كل سوط ينهال عليه ليواصل الحفر في جسده، وليتواصل الحفر في ذاكرته.
ويتطاول العذاب ويتعاظم القهر، ويطغى الألم ويُقتل الأمل، ويستمر الحفر ليكنس ما تبقى في الذاكرة من صور الأهل والمنازل والدروب، ويوسع المكان لصور القهر والعذاب والموت.. ولما بلغ الحفر أقصاه تلاشى كل شيء ولم تعد هناك ذاكرة، لقد نسي حقيقته وماضيه، ونسي أنه كان بالأمس إنسانًا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

