شعار قسم مدونات

شيرين أبو عاقلة.. عنقاء فلسطين

شيرين أبو عاقلة
شيرين أبو عاقلة (مواقع التواصل الاجتماعي)

في أحد الأمثال الشعبية المشهورة يقال "إن من يقول الحقيقة يطرد من سبع قرى"، هذا المثل يضرب في العالم العادي الطبيعي، أما الذي يقول الحقيقة في بلادي -في فلسطين- وينقلها يغيّبه الموت السحيق، إما برصاصة قناص، أو مدفعية، أو صاروخ مسعور يقفز فوقه.

وهذا حال الصحفيين في بلدي، وحال شهيدة الكلمة الحرة، الصادحة ثورة، وصمودا (شيرين أبو عاقلة)، أقمار تخسفها نيران مدافعهم، ولهيبها، في محاولة فاشلة لطمسها. يدميني ويؤلمني أن أكتب عنها وهي مغيبة الجسد، والبدن، مع حضور روحها وصوتها.

في 11 من مايو/أيار شهر النكبات المتتابعة والمتعاقبة -وأيار بريء من الطالع السيئ كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب- قبل 4 أيام من ذكرى النكبة الفلسطينية وسرقة العصابات الصهيونية المجرمة لأرض فلسطين في 15 من الشهر ذاته، طرحت رصاصة جندي استعماري منبوذ من أصقاع الأرض جسد شيرين الأرض في جنين القسام، أرض المعارك، والبطولات المجلجلة.

شيرين التي كانت ترنو في الوديان، والسهول، والجبال، والمخيمات الفلسطينية، فتجد غرباء متوحشين يقفزون على أرضها، فتتبختر في مشيتها، كذلك تجد أصدقاءها الذين يعرفون أرضهم وتعرفهم فلا تنكر عليهم مرحهم، ودلالهم عليها.

شيرين أبو عاقلة زنبقة من زنابق فلسطين، صوتها وتوقيعها في نهاية النشرة كان موسيقا، ونغمة لا يكتمل اللحن إلا بها، حمامة مقدسية بنت عشها في القدس المحتلة، تقاوم كما يقاوم أبناء جلدتها، متشبثين ببيوتهم التي تنظر إليها الضباع الصهيونية الإسرائيلية، فاتحة شدقيها يسيل منها اللعاب النتن، صاحبة موهبة عالية نادرة، وموهبتها هي الأمل، الأمل الذي أعانها على صعوبة الطريق؛ على الأسلاك، والأشواك، النار والدخان، وحواجز التفتيش ونقاطها.

الأمل في أن كل هذا سيختفي يوما كأنه لم يكن، حلمها القريب في مخيلتها السارية فينا، بأنها ستبث يوما ما أخبار الانتصار، والتحرر؛ موقعة باسمها "شيرين أبو عاقلة-القدس المحررة"، لا المحتلة.

اليوم، شيرين بعيدة بجسدها، قريبة بخطاها، كل خطوة خطتها وصلت إلى قلوبنا نحن الفلسطينيين، وإلى العالم أجمع، دمها الطاهر نزف من عروقها، وشربته أمها الأرض بتلهف الظمآن الذي لم يرتو رغم كثرة الدماء.

جنين التي عرفتها شيرين بكل حجر وشبر، تركض مع أهلها مادّة يد المساعدة بكل ما تملك من قوة بل أكثر من ذلك، تعين أم شهيد، وتشدّ على يد أم أسير أو مطارد، تركض وتركض إلى أن تذوب تماما، وتأفل الشمس، فلا تأفل هي لأنها مع القمر ظاهرة، كنجمة عملاقة براقة لامعة في سماء فلسطين.

اختلفت الصور، وصور الحياة تنوعت، فمنذ اغتالتها مخالب الغدر الصهيونية ولدت مجددا من رمادها، (عنقاء فلسطين) حاولوا تغييبها، ولكن الغياب لم يضيرها، بل زادها حياة على حياة.

التحقت بمجالها الإعلامي، والتغطية الحالكة في بلدها المحتل، في فلسطين، من دون أن تخاف أو تخشى نهاية الطريق المعروفة والمتوقعة، كانت تدري تماما أن نهاية هذا الطريق مؤدية إلى وادي الموت، وسهول الخلود والحياة الأبدية.

من كان يدري أن تلك البقعة والركن العادي من الشارع سيتحول إلى مزار مليء بالورود، والرياحين، يقدمها الصغار والكبار تكريما واحتفاء بهذه الأرض التي توسّدها جسد شيرين، فعانقتها هي بحنانها بعد طول اشتياق، تستنشق رائحتها كطفل أخرج من رحم أمه، تحسسها، وتيقنها من رائحتها التي ألفها في أحشائها.

في ذاك الصباح الحزين، حين اخترقت رصاصة الشر والغدر رأس شيرين، واستقرت به، بل أمعنت داخله فتفجرت فيه، رصاصة طائشة ووقحة، كحال من أطلقها، لو كانت تدري إلى أين الوجهة، وأين هو مستقرها لتباطأت، ولربما استدارت فتمكنت من ذاك الوحش الغادر الجبان المتخفي خلف سلاحه الناري الهش.

تتابعت الرشقات متتالية متوالية، ارتفعت واتسع صداها في المكان، رشقات من مصدر واحد لا ثاني له، تخرج من أيد خائفة جبانة متسترة وراء مدافعها.

حاولوا إبعاد زملائها وأصدقائها عن المكان، ولكنهم أبوا إلا المكوث مكانهم، خلف الشجرة كانت تقبع (شذا)، محاولة سحب صديقتها (شيرين)، لكن زخات الرصاص كانت كفيلة بكفّ يديها. وتبخر الصمت وتلاشى مع الريح، وخرجت الجموع غاضبة حانقة على المحتل الذي قتل صاحبة الكلمة الحرة الصادقة، ساروا على الرصيف يلاحقهم الجند المدجج بالسلاح، والعتاد، يجلبون عليهم بخيلهم المعصوبة الأعين، وبهرواتهم الثقيلة، يحيطون بحواشي المكان، يحمل الشباب النعش فوق الأكتاف رغم الضرب المبرح الذي يتعرضون له، هؤلاء هم حملة النعش، مجردون من أي شيء من أيديهم حتى لكأنها لم تكن لهم، بل كانت لشيرين حاملة رافعة لها، يرفضون الخنوع، يدافعون عنها ويحفونها بمحبتهم ووفائهم، كما كان حالها وعهدها معهم.

كيف يخافون ويهابون؟ فشل وراءه فشل! أشد فشلا من الفشل ذاته! هذا ما رأيناه على شاشات التلفزة؛ كيف يخافون من نعشها، كيف يزاحمونها في موتها، يريدون الدوس على رفاتها، أي وحشية هذه؟ أي احتلال هذا؟ أي مشهد هذا يا فلسطين؟ فتشوا كتب التاريخ، وأمعنوا النظر في جرائم المحتلين، لن تجدوا أبشع وأضعف من احتلال كهذا، احتلال قاتل خائف من خلودنا واندثارهم الذي بات قريبا جدا جدا.

أي شيء هذا؟ وكيف يكون؟ يزاحمون الجسد المنهك! ويدفعونه هنا وهناك! ولا يعلمون أنها هناك من فوقهم تنظر إلى هذه البلاهة والدنيوية التي يعيشون بداخلها.

ما ضرّ الجسد، والروح ألقة، ما ضرّ الأسود وإن رقصت على أجسادها الكلاب، أيضيرها نهشها لهذا البدن البالي المنهك، والروح عند بارئها غضة طرية؟

أودع الجسد التراب، وغرسوه في أمه الأرض، سلّموها أمانتها بعد طول غياب واشتياق، فاندمجا معا يزيلان أشواق السنين، يتضاحكان ويقهقهان من حلاوة وروعة ما ستؤول إليه هذه البلاد بعد قليل من السنين.

وهنا أذكر قول الشاعر محمود درويش، في كتابه "أثر الفراشة"؛ قوله في شريعة الخوف:

"والبعض الآخر، من فقهاء التمييز بين الواقع والحياة، يقول لو وقفت هذه الحادثة العادية في بلاد أخرى غير هذه البلاد المقدسة أكان للقتيل اسم وشهرة؟ لنذهبن، إذن، إلى مواساة الخائف وحين مشوا في مسيرة التعاطف مع القاتل الخائف، سألهم بعض المارّة من السياح الأجانب: وما هو ذنب الطفل؟ فأجابوا: سيكبر ويسبب خوفا لابن الخائف. وما هو ذنب المرأة؟ قالوا: ستلد ذاكرة. وما هو ذنب الشجرة؟ قالوا: سيطلع منها طائر أخضر. وهتفوا: الخوف، لا العدل، هو أساس الملك. أما شبح القتيل فقد أطلّ عليهم من سماء صافية، وحين أطلقوا عليه النار لم يروا قطرة دم واحدة! صاروا خائفين!".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.