شعار قسم مدونات

اغتيال شيرين.. الجريمة بانتظار العدالة منذ اغتيال الكونت برنادوت

شيرين أبو عاقلة أثناء تشييع جثمانها إلى مثواه الأخير (رويترز)

تراوحت ردود الفعل على جريمة اغتيال الصحفية والإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، برصاص قناص من وحدة دوفدوفان الصهيونية أثناء تغطيتها للأخبار في مدينة جنين، بين الاستنكار الشديد، والسخرية من التحقيقات التي يتولاها جيش الاحتلال، ومن خبرة الفلسطينيين مع سلسلة الجرائم الإسرائيلية الكثيرة، ضد المجتمع الفلسطيني أفرادا وجماعات وقضية، لا يمكن لجيش الاحتلال التحقيق مع نفسه، بعد الرفض المتواصل لكل التوصيات والمطالبات، بتولي لجان دولية تفحص وتختص بجرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وتفتح تحقيقا قضائيا مستقلا بالجرائم التي ارتكبتها وترتكبها قوات الاحتلال برعاية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بحق الشعب الفلسطيني.

الجريمة الصهيونية بإعدام الصحفية شيرين أبو عاقلة بدم بارد، عقاباً على عملها في شبكة الجزيرة، ولمحاولة قتل الصوت وطمس الصورة التي تنقل حقائق معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، هي مثال صارخ على استخدام إسرائيل وسائل الإعدام والاستهداف المباشر للإعلاميين، ولكل ناشط مدني وإنساني وإعلامي يقوم بفضح الادعاءات والتبريرات الصهيونية المحمولة على فاشية واستعلاء طبعت المؤسستين المدنية والعسكرية في إسرائيل منذ قيامها على إحداث نكبة الشعب الفلسطيني قبل 74 عاما، باستعمال كل أدوات التزوير والقتل والتهجير والاعدام والمجازر، وبتلفيق الأساطير بمساعدة كل القوى الدولية.

هذه السياسة العدوانية جرفت أوهاما سياسية، بعدما أطاحت الوقائع الفلسطينية منذ أوسلو بتلك الصورة الإسرائيلية الملطخة بدماء الضحايا من الفلسطينيين، ولم تعد لزخات التصريحات والإدانة والشجب الدولي والمحلي، عن كل جريمة إسرائيلية بحق الإنسان والأرض الفلسطينية، أن تحد من الغطرسة المتعالية للمؤسسة الصهيونية بجرائم الحرب والإبادة وسياسة التطهير العرقي والفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني، وعليه تصبح جريمة الاغتيال الوحشية المقصودة، والمعدة بتركيز عالٍ، ضد الكلمة والصوت والصورة الفاضحة لهذه السياسات، هي نتاج مباشر لمسيرة العقلية الصهيونية ونتاج المواقف الدولية المنافقة لجرائمها.

السلوك الإجرامي للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع الشعب الفلسطيني لم يغير من دهشة الفلسطينيين من الموت بعد كل خسارة تلحق بهم، ولم يتغير جلد الصهاينة المعادي لهم ولوجودهم فوق أرضهم التاريخية، لكن من الضروري أن نلاحظ المواقف الدولية الصامتة والعاجزة حيال جرائم إسرائيل مع مواقف عربية باتت معدومة التأثير نهائياً جعلها فوق القانون الدولي، ومع تصميم المؤسسة الصهيونية على إلحاق الهزيمة بإرادة الشعب الفلسطيني بالتحرر، تصبح الجرائم فعلا "عاديا" لذلك يدرك الضحايا الفلسطينيون بشكل حاسم الفرق بين الأوهام والوقائع التي خبروها من الاحتلال، ومن مواقف المجتمع الدولي اتجاه معاناتهم، خصوصاً في المواسم غير المتباعدة لخصوبة الدم الفلسطيني وارتسامه علامة في طريق حريتهم.

تتشرنق المواقف حول نفسها، بعد كل جريمة إعدام لصحفي أو إعلامي أو ناشط ومقاوم، وبعد كل جريمة حرب وإبادة يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ نكبته، ثم سرعان ما تضمحل بانتظار جريمة أخرى.

آلاف الأشكال من الموت تعرض لها الشعب الفلسطيني، يُستأنف القهر والإذلال مع كل إشراقة شمس ومغيب، وتكمن خلاصة وعصارة المأساة الفلسطينية بوجود الاحتلال فوق الأرض الفلسطينية وبالسياسات التي تواجهه، فلسطينية كانت أم عربية أو دولية، وكلها تقذف بطموحات الشعب الفلسطيني نحو الفراغ، ويستحضر استهداف شيرين أبو عاقلة كل صور الهمجية الصهيونية ضد القافلة الطويلة لأدباء ومفكري فلسطين الذين لاحقهم الحقد الصهيوني داخل وطنهم وفي لجوئهم القهري ولاحق من أدرك زيف الرواية الصهيونية وفضحها ونقل فاشيتها إلى العالم.

اغتيال شيرين برصاص الحقد الإسرائيلي يجب ألا يحجب الآذان والعقول عن جريمة مستمرة في محاولة إعدام الحقيقة الفاضحة لدولة وكيان ومؤسسات وجيش وأمن تشكل بالأساس من فرق العصابات الإرهابية، والاسترسال غير الدقيق في التطبيع معه، في تقدير معطيات للمواقف كان كارثياً ولم يزل في التطبيع على الجريمة الأولى بوجوده فوق أرض الفلسطينيين أصحاب الهوية والتاريخ والتراث والأرض والماء والهواء، وسلوك عدو الفلسطينيين والإنسانية خير طاردٍ لجملة الأوهام التي لعبت دوراً في التشويش أمام صورة الضحايا الفلسطينيين، ولن تكون جريمة اغتيال شيرين مقيدة لليد الصهيونية، بل صورة مكتملة عن فاجعة المنكوبين وسيرتهم الطويلة مع العدالة الدولية، فقبل انتظار المواقف الدولية والعدالة، تغيب العدالة المحلية في أكثر القضايا إلحاحاً.

هل المواقف الرسمية العربية المنادية بمحاسبة ومعاقبة الاحتلال عن جريمته، والمواقف الفلسطينية الرسمية مستعدة لأن تنخرط في تحقيق عدالة حقيقية للضحايا الفلسطينيين وأولها فك الارتباط مع المجرمين سواء بالعلاقات الرسمية والتطبيع أو استفتاء الشارع العربي والفلسطيني للعلاقة مع المؤسسة الاستعمارية الصهيونية، كان درس الشهادة ورسالة شيرين أبو عاقلة حاضرة في الشارع الفلسطيني، واستفتاء شعبي توحد في وداعها وبالحزن على رحيلها لإحساسه وشعوره بحجم الفقد الذي أصابه وبالغضب من الاحتلال وسياساته، وتلك من أرقى وأبهى الدروس الواجب تلقفها بالعودة للناس وللشارع الذي انتمت إليه شيرين الإنسانة قبل أن تكون إعلامية تنقل معاناة شعبها بكل صدق وأمانة وإخلاص، بددت فيهما صورة المحتل ووضعتها بشكل نهائي كـ مجرم لا يمكن تبرئته، لا بمفاوضات ولا بتطبيع ولا بالاستكانة له.

ومن هنا تبدأ العدالة الدولية الإمساك بقوة الحق ودون ذلك الجرائم ستستمر وتتعدد دون حساب، والتجربة طويلة منذ اغتيال الكونت فولك برنادوت 1948 على أيدي عصابات شتيرن الصهيونية بزعامة مناحيم بيغن، الى إعدام راشيل كوري 2003 بإشراف أرييل شارون، وأخيراً شيرين أبو عاقلة 2022 وما بين هذه التواريخ قوائم طويلة من المذابح والجرائم الواضحة والفاضحة لنفاق العدالة الدولية ولتقاعس العدالة المحلية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.