شعار قسم مدونات

كيف نثبت على الطاعة والعبادة بعد رمضان؟

صلاة الجماعة احرص على أدائها -غير يوم الجمعة- بقدر ما تستطيع خلال الأسبوع (الأناضول)

رمضان رحل أعاده الله علينا ونحن في خير حال، ومع رحيله ثمة من يرحل عن العبادات والطاعات والصلاة مع الجماعات تماما، ويهجر القرآن، ويعود إلى قسوة القلب، ويبدو كأنه في حلّ مما يقتضيه انتسابه لملة الإسلام، فيتهاون في كثير من الفرائض والسنن، وهناك من يثبّته الله فيجاهد النفس وينتصر على الهوى.. ربُّ رمضان هو ربُّ شوّال ورب الشهور جميعا، وحريّ بالمسلم أن يكون ربّانيا لا رمضانيا ولا شعبانيا.

ومن المحال أن يكون إقبال العبد على العبادات والتذاذه بمقارفة الطاعات بعد رمضان مثلما كان في أيام الشهر الفضيل؛ وإلا فبم يمتاز رمضان عن بقية الشهور؟

ولست أعيش خارج الواقع ولا أملك حلًّا أزعم أنه سيجعل حال من اتبعوا الهوى على نقيض ما صاروا إليه بعد رمضان، وأيضا لست بعيدا عن كل ما يصيب العباد من حالات الضعف والفتور والاستسلام لهوى النفس في زمن صار فيه الدين غريبا عن مجالات الحياة بعضها أو كثير منها.

وأعلم أن كثيرا من العلماء والواعظين -جزاهم الله خيرا- قدّموا ويقدمون نصائح وتوجيهات لهذه المشكلة، ولا شكّ أن العديد من المسلمين يطرحون هذا السؤال: كيف نثبت على الطاعة بعد انسلاخ رمضان؟ وكيف نحافظ على سلامة القلب التي حزناها في أيام الشهر المعدودات؟ وهذا بحدّ ذاته علامة خير وحرص على البقاء في دائرة الطاعات، إلا أن يكون عند بعض الناس بحثا عن تبرير لانسلاخهم عن هذه الدائرة مع انسلاخ الشهر!

ولهذا أقدم في السطور التالية جهد المقلّ، وقد امتزجت بتجارب عملية واقعية، من غير مبالغة أو طموح زائد.

والعبد الفقير جرّب نوعا آخر من الفتور كنت أسميه (فتور رجب وشعبان) وقد تجاوزته بحمد الله وتوفيقه قبل كل شيء، وكان مفتاحه تبرير الفتور بأنك مقبل على أيام الجدّ فليكن ما يسبقها ركونا إلى التراخي حدّ التهاون.

ولنأت إلى المفيد في نقاط محددة، لا أقول بالاكتفاء بها، أو تجاهل ما يقوله ويكتبه آخرون، لعلهم خير مني في الأمر، ولكنها تراعي واقع الناس وحال العباد في هذا الزمان:

  • الدعاء بإخلاص وصدق أن يثبّتك الله على طاعته وألا يستحوذ عليك الشيطان ولا تتبع الهوى، فالهدى من الله يهدي من يشاء، فليس أقل ولا أولى من التضرع إلى الله بألا تخرج من أبواب طاعته.
  • استحضار أنك في مجاهدة ما دمت مكلّفا حيًّا، وأن المعركة مع الشيطان قائمة منذ أن قال لرب العزة ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ [ص: 82] وهو إن كان مصفّدا في رمضان فإنه لم يترك محاولات الغواية فيه، ومن الخطأ الاستسلام التلقائي الذي حتى للأسف بعض الواعظين -بحسن نية- يروّجون له بأن انسلاخ رمضان يعني انتشار الشياطين وانطلاقتها بقوة، والإيحاء بألا جدوى من مقاومتها ومن مجاهدة النفس وقمع الهوى.
  • احرص على أداء صلاة الجماعة -غير يوم الجمعة- بقدر ما تستطيع خلال الأسبوع ولو بحدّ أدنى 3 مرات في الأسبوع الواحد، وحاول تجنّبا لتسلّل الملل أن تغيّر المسجد الذي تصلي فيه ما أمكن، وإن كان هناك مسجد ترتاح فيه أكثر من غيره وإمام يجذبك الخشوع عند الصلاة خلفه فاذهب إليه ما أمكنك.
  • الانتساب إلى مجموعة من الأصحاب والجلساء في العالم الحقيقي أو الافتراضي ديدنهم التواصي بالصبر على الطاعة والعبادة والتنافس في الخير، وهذا ربما له مفعول أكبر من الاستماع من موقع المتلقي للمواعظ، فمثلا ثمة مجموعات افتراضية تستخدم تطبيقات (الزوم) وغيرها فيها مشاركة بالسؤال والنقاش والتفاعل الذي يشحن الطاقة ويزيد في بقائك في أجواء العبادة والطاعة بإذن الله.
  • إياك أن تهجر القرآن، وأن يعلو مصحفك غبار، فإذا كنت ممن ختم القرآن في شهر رمضان ولو مرة واحدة، فليكن لك ختمة خلال شهرين أو ثلاثة، وإلا لا يكون لك من ورد قدره صفحة واحدة يوميا مهما كانت الظروف، وأيضا حاول أن تحفظ ما ييسره الله لك من الكتاب العزيز، سواء ضمن مجموعة في أحد المراكز أو دور التحفيظ الواقعية أو الافتراضية، أو ذاتيا، واقرأ ما تحفظ في صلواتك وستجد الفرق والتغير.
  • لا يكن عهدك بالصيام فقط في رمضان، فلتصم ستا من شوّال، أو أياما مشهودة (عرفة وعاشوراء) أو بعض أيام الاثنين والخميس أو الأيام البيض، المهم ألا يكون صومك مقتصرا على شهر رمضان.
  • الصدقة ولو بالقليل والتبرع للمساجد والمشروعات الخيرية بما تستطيع بنية التوفيق والثبات.
  • سماع أو قراءة سير أهل السلف من الصالحين والعلماء والأولياء خاصة ما يتعلق بعباداتهم وطاعاتهم، مع أنك قد لا تستطيع تقليدهم ولكن ليكونوا لك نموذجا وأسوة كي لا يدخل لك الشيطان من باب مقارنتك بأصحاب الإرادات والهمم الضعيفة.. ومع هذا أو سابقا له عليك بقراءة أو سماع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهي خير مؤونة وزاد في رحلة الحياة الصعبة.
  • التفقه في الدين على أحد المذاهب الأربعة بعيدا عن الأغاليط ومسائل الجدل والخلاف ولو أن تحوز معرفة مسألة واحدة أسبوعيا، فهذا يشدّ عضد عباداتك وطاعاتك.
  • صلّ ما استطعت من النوافل والسنن عدا الراتبة، فلو صليت الضحى ولو مرة واحدة في الشهر بنية الزيادة بجعلها مرة في الأسبوع وصولا إلى جعلها عادة يومية، وكما قيل: لتكن حربك مع الشيطان على النوافل لا الفرائض، فستبقى محصنا بإذن الله، وإذا مكنك الله من أن تقوم من نومك قبل الفجر تصلي ركعتين وتدعو الله ولو مرة شهريا فإنك ممن ظفر بحظ عظيم بإذن الله.
  • قلّل قدر المستطاع من خلطة أهل المعصية والمتهاونين والجهلاء والسفهاء، فلا تصاحب أهل الدنايا فإن خلائق السفهاء تعدي، ولأننا في زمن تداخلت فيه العلاقات وتشابكت فيه الأمور قد يبدو اعتزالهم تماما صعبا، ولكن حاول أن تقلص علاقاتك معهم إلى أضيق حد وإلى أقصر وقت.
  • تابع ما يحدث للمسلمين واهتمّ بأمرهم وخصّهم بدعائك واستشعر ما عافاك الله به من بلاء مقارنة مع ملايين منهم.
  • عليك الإتيان بما تستطيع من الأذكار مثل أذكار الصباح والمساء، وإن وجدت فتورا فليس أقل من قراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين ثلاثا، مع الأدعية الواردة المقترنة بحياتك اليومية، عند دخولك المنزل وخروجك منه وعند الأكل والشرب والنوم.. إلخ.
  • استحضر عظمة جهاد النفس ومصارعة هواها، وأن العمر قصير، فمثلما مرّ رمضان سريعا فإن عمر الإنسان قصير يمضي سريعا وأن ما تراه تعبًا ونصبًا ليس إلا أياما عابرة ستمضي بأسرع مما يصوّر لك الشيطان، وأن الموت قد يأتيك في أي ساعة بلا استئذان أو مقدمات.
  • تجنّب الحرام وخاصة أكل ما حرّم الله مثل الربا وشبهاته، وهذا من مقتضيات استجابة الدعاء.

هذه إجمالا وصايا أو نصائح أقدمها لنفسي أولا من موقع العبد المقصّر، ولمن شاء ألا يبتعد عن الله تعالى بعد أيام فريضة الصيام المعدودات، وليكن لسان حال قلوبنا وألسنتنا دوما: اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

فما صمنا ولا قمنا إلا بعون الله وتوفيقه في رمضان، وما يكون لنا بعده من ثبات والتزام إلا باعتصام بحبل الله وإمداده لنا بالعون.