شيرين.. النهاية المدهشة

عاطف دغلس- من فعاليات التضامن مع الشهيدة شيرين ابو عاقلة اليوم- الجزيرة نت5
جانب من فعاليات التضامن مع الشهيدة شيرين أبو عاقلة (الجزيرة)

بصوتها المطمئن وفريقها الإعلامي المحترف وحضورها الدائم في أوقات الكريهة واشتداد الحروب؛ كانت الإعلامية المغدورة شيرين أبو عاقله شاهد صدق على بطولات الشعب الفلسطيني؛ فقاموس شيرين اللغوي منذ ربع قرن، ويوميات الفجائع التي شهدت عليها كانت تسير بها سيرا طبيعيا نحو نهايتها الفاجعة المؤلمة لمتابعيها من الأحرار والمهتمين بقضية فلسطين عبر العالم، وبقدر ما هي نهاية مؤلمة فإنها مشرفة؛ فكل حامل قضية عادلة غاية أمنيته أن يودع الدنيا الفانية في ميدان عمله ممتشقا سلاحه، يواجه أباطيل أعدائه بحقائق قضيته.

فمفردات القتل والتهجير والاقتحامات الليلية وتدنيس الأقصى والمقدسات، والتصدي لقطعان التهويد، وقيام الانتفاضات وهدم البيوت وترويع الآمنين، واعتقال النساء وأسر الأحرار وملاحقة الأبطال ومحاكمة الأسرى وصفقات تحريرهم، و"توديع الشهداء بالحفلات" و"الغناء للموت في سبيل الحياة"، كلها مفردات كانت تستبد بيوميات شيرين أبو عاقلة منذ عرفها المشاهد العربي الذي فجع أمس برحيلها مرددا لسان حالها قول التهامي:

حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جار .. ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار

بَينا يَرى الإِنسان فيها مُخبِرا .. حَتّى يُرى خَبَرا مِنَ الأَخبارِ.

فشيرين التي كانت تنقل للعالم مواجع فلسطين وأنات الأمهات المكلومات وبطولات الخنساوات؛ صارت هي وجعا يكشف للعالم بكل وضوح ما كانت تقوله خلال عقود بلسان عربي عن همجية الاحتلال الصهيوني وجبن جيشه المدجج بأنواع الأسلحة التي لا تفرق في ميادين المعركة بين طفل وامرأة ولا بين مقاتل وصحفية، فهي شاهدة على فظائع الاستعمار؛ بحياتها الصحفية الحافلة بالتميز والمهنية والإخلاص لفلسطين، فما كان عند شيرين -وفق زملائها في قناة الشعوب قناة الجزيرة- وقت للعمل وآخر للراحة؛ فكل أوقاتها لكل فلسطين من النهر إلى البحر، فصلافة الجنود الصهاينة شذاذ الآفاق كانت تدعوها لمضاعفة العمل وكشف الحقيقة في عصر سيادة الصورة وقوة الكلمة وحرب المفاهيم وتضليل المصطلحات.

إن الموت في فلسطين هو سبيل الحياة والخلود منذ آمن هذا الشعب البطل أن مقاومة المحتل والتصدي له هما السبيلان الكفيلان بتحرير الأرض والإنسان، لكن هذا التحرير يحتاج إلى وعي يحرص عليه، وإلى تنوير يرابط على ثغوره في ظل حملة التطبيع المشين، وتزييف الوعي الذي تنفق عليه دول عربية مليارات من أقوات الشعوب وأوقات الأمة، ولولا همة شيرين وصلابة قناة الجزيرة وتضحيات وليد العمري ورفاق دربهم لكانت الحكاية في فلسطين الآن غير الحكاية، ولكان الفلسطيني المدافع عن مقدساته وأرضه هو المعتدي على الجندي الصهيوني الوديع القادم من وراء البحار لتوزيع الورود على أبناء المحتلين الفلسطينيين.

إن معركة الوعي والتنوير وحرب المصطلحات من أخطر المعارك التي تخضوها الأمة اليوم في فلسطين إلى جانب الحرب التحريرية الأساسية، ولولا رباط أحرار الصحفيين والإعلاميين على هذا الثغر الخطير لكان ثبات الشيخ رائد صلاح الذي يهد الجبال مثل تهويمات علي جمعة، ولكانت بطولات محمد الضيف وشكيمة يحيى السنوار مثل تنسيقات أبي مازن ورهطه الأمنية؛ فبأمثال الراحلة شيرين أبو عاقلة وتغطياتها الشاملة للشأن الفلسطيني سلما وحربا كرا وفرا؛ بقيت جذوة القضية ملتهبة في وجداننا نعيش مع محمد الكرد وشقيقته يوميات حي الشيخ جراح، ومع المرابطة هنادي الحلواني وأخواتها في أكناف بيت المقدس بدعائنا وآلامنا وآمالنا.

ما كان ينبغي لشيرين بنت القدس وفلسطين -وهي التي شهدت على كل التحولات الفلسطينية منذ أكثر من ربع قرن- أن ترحل إلا هكذا مقبلة في زمن الإدبار، مقتحمة في عصر الهروب؛ فهي شاهد على قضية بحجم فلسطين ببطولاتها وحكاياتها، ومشهود بحجم أكذوبة إسرائيل وأباطيل الصهاينة وهمجية الغزاة وجبن المحتلين.

يتوهم الغزاة المحتلون أنهم بغدر شيرين قضوا على صوتها الحر وقضيتها العادلة وما علموا أنهم بفعلتهم الجبانة شيرين ستولد لهم مليون شيرين كما قالت الدكتورة والشاعرة زينب بنت عابدين:

متى ستعرف أن لا حَين يُهلكني .. أنا المخلدَّة العظمى: فلسطين

لا تحسب الموت ينهي نبض أوردتي .. شيرين ماتت وها جاءتك شيرين