سوف نبقى هنا.. شيرين أبو عاقلة

شيرين أبو عاقلة غطّت عدوان الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين على امتداد ربع قرن (الأوروبية)

منذ ما قبل رمضان حتى الآن ونحن نفيق في كلّ يوم على فاجعة تنكيل أو اعتقال أو قتل في فلسطين، تُدينها الأنظمة العربية باليمين وتشجب تلك التي تقاوم الغزاة وتدافع عن الأرض والعرض بالشمال، تسعى بالخطاب والشكل لإيقاف الانتهاكات الإسرائيلية وتوطّد العلاقات التطبيعية والاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية على أرض الواقع.

أمّا اليوم فقد استقبلنا مصاب الأمّة باغتيال مراسلة ‎الجزيرة ‎شيرين أبو عاقلة في مخيم جنين بشكل إجرامي بشع ومستهدف، تماما كتلك الطرق التي يمارسها الاحتلال في فلسطين ليلا نهارا.

استشهدت أبو عاقلة متأثّرة بجراح خطيرة، إثر إصابتها في الرأس خلال تغطيتها اقتحام قوات إسرائيلية لمخيم جنين صباح الأربعاء، واللافت للنظر أنّها كانت ترتدي الزي الصحفي وخوذة والرصاصة أصابتها في المنطقة التي لا تغطيها الخوذة، وذلك يعني بالضرورة أنّها كانت هدف قناص محترف لا رصاصة طائشة من مسلّحين فلسطينيين كما زعم نفتالي بينيت وغيره من قادة الاحتلال مزاعم ناقضها تصريح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي الذي لم ينف ولم يحدّد مصدر إطلاق النار عليها، بما في ذلك نفي القطعية التي تحدّث بها بينيت وبعض المسؤولين الإسرائيليين، فضلا عن شهادة المنظمة الحقوقية الإسرائيلية "بتسيلم" أن الفيديو الذي نشره الجيش الإسرائيلي واستشهد به نفتالي بينيت متهمًا بذلك مسلّحين فلسطينيين بقتل مراسلة الجزيرة هو بحدّ ذاته شهادة تُدين جيش الاحتلال، فقد تبيّن أنّ موقع المسلّحين الفلسطينيين يبعد أكثر من 300 متر عن المكان الذي أصيبت فيه أبو عاقلة، وهو في مخيم جنين المزدحم بالمباني المتلاصقة، ولا يمكن للخيال تصوّر رصاصة تجوب المنعطفات وتصيب الراحلة.

هذا كما أفاد مصوّر وكالة الأنباء الفرنسية عن إطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي، وشاهد جثّة الصحفية ملقاة على الأرض، حسب صحيفة "شبيغل" الألمانية.

هذه الشهادة كافية لإدانة قوات الاحتلال، إن لم تُستثنَ من التحقيق، ولا أستبعد ذلك.

‏إعدام أبو عاقلة الجريئة المقدامة الغادة يتجاوز كلّ المعايير الأخلاقية العالمية، وهذا ليس بالجديد، فالاحتلال يستهدف العمل الصحفي لإخفاء الجرائم التي يرتكبها بحقّ الفلسطينيين، وإسرائيل لم تتجاوز هذا الحدّ من العدوانية إلّا من تواطؤ الأنظمة العربية حولها.

الإعدام الميداني الذي قام به الاحتلال بحقّ صحفية الجزيرة ليس كأي إعدام أو اغتيال تمارسه إسرائيل على نحو يومي، حتى آل عند البعض إلى وجع واحد معهود يتكرّر.

وفي ظل التعتيم الإعلامي الذي تقوم به المؤسّسة الإعلامية العالمية، ومؤسف أن تشاركه العربية ذلك، إلّا ما رحم ربي، تقوم الجزيرة بتغطية غير مسبوقة، بحيث أصبحت عالميًّا مرجعية لكثير من الأخبار العالمية وتحديدًا المحتوى الفلسطيني.

العمل الصحفي الذي قامت به شيرين أبو عاقلة في فلسطين منذ عام 1997م الذي يتجاوز ربع القرن يعدّ أكثر من تغطية مراسلة لصحيفة، فقد تجاوز العمل النضالي الشجاع، فصورها ما زالت خالدة في الضمير أثناء تغطيتها الاجتياح ليصل الانتهاك الإسرائيلي والقتل إلى العالم.

التلفاز خير شاهد حي على البسالة والإقدام التي كانت تتحلّى بهما الفقيدة، ولقد انتشر فيديو لسيدة فلسطينية من مخيم جنين وهي تستحضر مواقف شيرين أبو عاقلة، خلال تغطيتها انتفاضة الأقصى عام 2002م حيث قالت:

"أبو عاقلة شهدت اقتحام المخيم من أول يوم حتى آخر يوم وريقها ناشف، لم تجد ماء لتشرب".

وأردفت السّيدة أنّ الشهيدة كانت تبحث معها أيام الاجتياح عن أبنائها في ظل القصف الإسرائيلي.

تسارعت الدعاوى العالمية لإجراء تحقيق سريع في مقتل أبو عاقلة، أمّا عربيا فقد دانت جامعة الدول العربية بأشد العبارات الجريمة البشعة، وعالميًّا بدأتها الحكومة الألمانية إذ قالت المتحدّثة باسم وزارة الخارجية اليوم الأربعاء 11 مايو/أيار إن التقارير بشأن مقتل أبو عاقلة صادمة، وإن حماية الصحفيين هي جزء أساسي من دولة القانون ويشمل ذلك الحرص على عمل ممثلي وسائل الإعلام، بحيث يكونون قادرين على تغطية الصراعات، وأكّدت ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، كما شارك الإدانة ذاتها الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية "جوزيب بوريل"، ودعت أيضًا الولايات المتحدة إلى إجراء تحقيق شفاف في مقتل الصحفية الأميركية الفلسطينية.

كلّ هذه الإدانات العالمية والعربية لا معنى لها، فالغرب مجبر على رفض هذه الجريمة البشعة، لكنّه لن يتّخذ أي إجراء ضد دولة الاحتلال، وواقعنا المرير خير دليل.

ليس للاحتلال من رادع غير المقاومة، لذلك يستطيع أن يقدّم أي سيناريو والسلطة والأنظمة العالمية والعربية ستشكره، لأنّها بذلك سترفع عن نفسها الحرج بالمطالبة بفتح تحقيق يدين إسرائيل، حتى لو شكليًّا.

سينتهي الأمر عربيًّا وعالميًّا بالشجب الكاذب والاستنكار الذي يستخفّ بالشعوب العربية الحرّة.

والحقيقة أنّ شيرين أبو عاقلة أدّت واجبها ببسالة ومهنية، وتجاوزت العمل التقليدي لترتقي فداء للقضية، وهي بداية ونهاية فلسطينية، وهذا قدرها.

أنهي مقالتي المقتضبة بكلماتها:

"لن أنسى أبدًا حجم الدمار ولا الشعور بأن الموت كان أحيانًا على مسافة قريبة؛ ليس سهلًا ربما أن أغيّر الواقع، لكنني على الأقل كنت قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم، أنا شيرين أبو عاقلة".

رحم الله من بذلت عمرها للوطن والحقيقة.