أبو عاقلة.. حين لا ينفع الحذر مع شرف المهنة

شيرين أبو عاقلة لحظة اغتيالها (الجزيرة)

من أين تأتي الرصاصة؟ سؤال وُجه إليها في برنامج للتدريب على التغطية الإعلامية في مناطق الحروب والنزاعات المسلحة، وكانت من أوائل من اختيروا لتنمية هذه المهارة قبل 10 سنين مع ثلة من زملائها، وذلك ضمن برنامج تدريب للصحفيين تبنته إدارة الحريات وحقوق الإنسان في شبكة الجزيرة الإعلامية.

لم تكن قوانين الحرب وقواعد السلوك الإعلامي في مناطق النزاع المسلح غريبة عن المقدسية الأصلية، فهي تمارسها أثناء تغطيتها اليومية لانتهاكات الاحتلال في كل مكان من فلسطين، لكنها اكتشفت من خلال التدريب الفرق الكبير بين النظرية والتطبيق، فالنظرية تقول إن القوى المتحاربة تميز بين حامل الكاميرا وحامل البندقية، وما شاهدته وشهدت عليه يقول إن قوات الاحتلال أصابت حامل كاميرا في عينه ففقأتها، وأصابت صحفيا آخر في قلبه فأردته قتيلا.

إنها واحدة من السكان الأصليين، لكنهم هنا ليسوا سكان غابات استوائية أو صحاري أسترالية أو ممن يعيشون خلف بحر الظلمات فاكتشفوا حديثا واضطهدوا كثيرا حتى أبيد معظمهم، إنهم سكان الأرض المقدسة، والمسيح عليه السلام منهم، وأرضهم مهد الأنبياء والنبوات، فيها حرما الأقصى والإبراهيمي، والمهد والقيامة، وباركتها مصاهرة الشام واليمن في صرح دشنته بلقيس وسليمان عليهما السلام.

شرف المهنة وسام استحقته، كيف لا وقد اختارت أن تتعامل مع الرأي العام، والرأي محله العقل، وقد رأى فلاسفة وعقلاء أن شرف الإنسان بعقله، وأن الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، جعل عقله ووعيه أعلى ما فيه، وفوق كل الحواس.

كفاحها بالكلمة والقلم ليس إلا عملا عاديا عند الشعوب الحرة، ومهنة الصحافة تصنف في خانة الأعمال والمهن الأكثر أمانا، والأقل مخاطرة بعيدا عن إصابات العمل، ولا مجال للحديث عن اضطهاد لحرية الكلمة، وهي مهنة قد لا تليق بمكانة الشجعان من المدافعين عن حقوق الإنسان والمناضلين ضد التمييز العنصري في مجتمعات تجرم التمييز والكراهية.

وبهذا التصنيف عند شعوب تعيش الحرية واقعا فإن الصحفي ليس إلا صاحب كلمة، فالصحفيون في ديار الحرية يغامرون خارج أوطانهم لتسليط الضوء على ضحايا الدكتاتورية والعدوان وانتهاكات حقوق الإنسان، ويكافؤون في أوطانهم بتقليدهم أوسمة الشجاعة، أما في الحالة الفلسطينية فإن كفاح الصحفي واجب يومي يؤمن به، وهو ما كانت شيرين تعيه جيدا، وتعلم أن صلابة درعها الواقي من الرصاص لن يحميها من الاستهداف، وخوذة الرأس وكلمة صحافة على الصدر والظهر لا تحولان دون منظار القناص ورميه الدقيق بالرصاص الذي يستهدف أبرياء، ويسمونه ذكيا.

احتلت الجزيرة جزءا كبيرا من استجوابات محققي مخابرات الشين بيت في زنازين التحقيق معي بسجن الجلمة عام 2011، لا سيما آلية اتخاذ القرار التحريري، وصلاتي بموظفي مكتب الجزيرة في فلسطين، والتي كانت تحمل تهديدا مع كل سؤال بشكل مباشر أو غير مباشر.

لم أحمل تهديدات المخابرات الإسرائيلية للزملاء في مكتب الجزيرة في فلسطين محمل الجد، واعتبرتها وسيلة ضغط نفسي كما دأب المحققون على تكرار تهديداتهم بالتعرض للأسرة والأقارب، لكن زملاء الجزيرة بمن فيهم شيرين كانوا يدركون أن الاحتلال لن يتورع عن تنفيذ تهديداته، فممارسة المحققين كل أنواع الضغط أمر معتاد، لكنهم يعرفون ما يقولونه للصحفي، وأكد صحفيون آخرون التقيت بهم تنفيذ المحققين تهديداتهم أثناء الاعتقال أو بعد الإفراج عنهم.

أثناء التدريب كانت شيرين أبو عاقلة تدرك جيدا أن المحتل لا يتعامل معها على أنها صحفية، مهمتها نقل ما تشاهده من حقيقة إلى الناس، ولن يرحمها إذا وجد شبهة يلصقها بها، ولذلك كانت ترفض لمس أي قطعة سلاح، مجرد لمس، وذلك أثناء التدريب للتعرف على أنواع الأسلحة والألغام المنتشرة في مناطق الحروب لتفاديها.

منبع حذرها استشعار خطورة الألغام التي ينصبها الاحتلال لأبناء شعبها، وقد رأت كيف تشم أحدث الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية كل فلسطيني عائد إلى وطنه، وتتعرف التكنولوجيا المتقدمة التي يزوده بها حلفاؤه على من لامست يديه بارودا خلال أيام، وتتحسس مخابراته كل فلسطيني بكل وسيلة، فكيف إذا كانت صحفية تبحث عن حرية أو تنقل معاناة المحرومين منها.

خانتها غريزة الحفاظ على الحياة، ببساطة لأن من اتخذ قرار القنص حدد هدفه بدقة، فالاحتلال يعتبر جنوده الأكثر مهنية، نعم إنهم يلتزمون بأوامر إطلاق النار، ومن يتخذ قرار القتل صاحب قرار مسؤول وليس جنديا هاويا، ورغم التدريب الذي تلقته لتحديد مكان القناص في ساحة تدريب الجزيرة لكي تتفاداه فقد نال منها القناص الأخير في جنين، فسقطت برصاص المحتل، وزاد من المخاطرة أنها لم تتدرب على الانبطاح والزحف.

عاشت قضية شعبها فعرفها من خلال نضالها بالصورة والكلمة، وكشفِها جرائم الاحتلال، وهي الجريمة بعينها في عرف المحتلين والمعتدين على حقوق شعب كامل، فالمحتل المعتدي يعي أن الحقيقة دائما في صالح الشعب المقهور، وهو ما لا يتحمله وقد بالغ في عدوانه على كل مقدس، وليس أوضح من عدوانه على القدس والأقصى في قداسة رمضان، فقضت شيرين وهي واقفة بشرف، فشرفت مهنتها، المهنة التي دنسها من انحازوا للظالم والعدوان والاحتلال ووقفوا في الجانب المظلم.