مفارقات الحرب الروسية على أوكرانيا

متظاهرون يشاركون في مظاهرة ضد الحرب العسكرية الروسية على أوكرانيا (رويترز)

حرب روسيا على أوكرانيا أظهرت وبجلاء ازدواجية المعايير الغربية، واختلاف المواقف حول التعامل مع عدد من القضايا العالمية مثل: الاحتلال والمقاومة، وقضية اللاجئين، وحرية الرأي والتعبير، وما كان مسكوتًا عنه في دول الشرق بات مدانًا وبأشد العبارات عندما وقع في الغرب، ووجدنا زخمًا إعلاميًا، وتحركات دبلوماسية، وعقوبات اقتصادية، بل دعمًا عسكريًا لرفضه ومقاومته.

إدانة الغزو والاحتلال

أدانت معظم دول العالم الغزو الروسي لأوكرانيا، وعدته انتهاكًا لاستقلال أوكرانيا وللأعراف والقانون الدولي، بينما تصمت هذه الدول على الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين منذ عام 1948، وعلى انتهاكات الكيان الصهيوني الغاصب لحقوق الفلسطينيين، وسعيه لتهويد مدينة القدس وإخلائها من سكانها الأصليين.

أهلا باللاجئين!

لقي اللاجئون الأوكرانيون الذين فروا من الحرب ترحيبًا من الدول المجاورة لأوكرانيا، ووجدوا كل ما يحتاجونه من غذاء ودواء وكساء عند الحدود، وتم استيعاب الملايين منهم على وجه السرعة، ووصفهم البعض بأنهم مختلفون عن اللاجئين من المناطق الأخرى في العالم، فهم لاجئون مثقفون و"متحضرون إلى حد ما"، ولا يستحقون أن يحدث ذلك لهم لأنهم ليسوا عربًا!

والدول المجاورة لأوكرانيا مارست التمييز العنصري بين اللاجئين الفارين من أوكرانيا بناء على لون البشرة والعرق، وقبله التمييز الذي مارسه ويمارسه الغرب تجاه اللاجئين القادمين من الشرق ومن الدول التي أشعل فيها الغرب الحروب والصراعات. والغرب لا يرفض الهجرة واستقبال اللاجئين، ولكنه يفتح أبوابه فقط للكفاءات من المهاجرين واللاجئين لأنه بحاجة إليهم، ويوصدها في وجه الفئات الأخرى الضعيفة والعاجزة، وهو ما يفضح النفاق الغربي.

حرية الرأي والتعبير

الحرب الروسية على أوكرانيا فضحت موقف فرنسا من حرية الرأي والتعبير، فقد اعترضت فرنسا على رسوم اعتبرتها مسيئة لأوروبا، وفور نشر السفارة الروسية هذه الرسوم خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليعبّر عن غضبه منها أثناء مؤتمر صحفي عقده عقب قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، مشددًا على أن هذه الخطوة غير مقبولة. وأضاف ماكرون أن الخارجية الفرنسية أبلغت السفير الروسي استياء باريس من هذا الرسم الكاريكاتيري.

وفي المقابل، ردت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بشكل ساخر على قناتها الرسمية في "تلغرام"، على كلام ماكرون قائلة: "حقا؟ أليس رؤساء ووزارة خارجية فرنسا هم الذين كانوا يعلّموننا أن أي رسوم كاريكاتيرية أمر طبيعي، حتى تلك الفظيعة التي نشرتها شارلي إيبدو؟ قررنا اتباع نصيحتهم واستخدام الهجاء الذي يعتبرونه دليلًا على حرية التعبير، والآن لا يعجبهم شيء".

المقاومة المشروعة

عقب بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، توالت التصريحات التي تؤكد على حق الأوكرانيين في الدفاع عن أنفسهم، وأنه حق يكفله القانون الدولي، بل صدرت دعوات لإرسال مقاتلين متطوعين للدفاع عن أوكرانيا، ولم يوصف ذلك بأنه إرهاب كما توصف به عمليات المقاومة في فلسطين وفي مناطق الاحتلال الأخرى.

خلط الرياضة بالسياسة

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان من غير المقبول خلط الرياضة بالسياسية، ويحظر على الرياضيين الخوض في الأمور السياسية، ولكن عقب الغزو أعلن الاتحادان الدولي لكرة القدم (فيفا) والأوروبي للعبة (يويفا) استبعاد روسيا من المسابقات التابعة لهما، سواء على مستوى المنتخبات أو الأندية حتى إشعار آخر. وبذلك لن يلعب المنتخب الروسي الملحق الفاصل المؤهل لمونديال قطر.

الحرب في أوكرانيا والجوع في أفريقيا!

روسيا وأوكرانيا تعدان من أكبر موردي القمح والذرة على مستوى العالم، والقارة الأفريقية الغنية بالموارد الطبيعية باتت مهددة بالمجاعة، لأنها تعتمد عليهما بشكل رئيسي في توفير المواد الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها القمح.

ومن المفارقات أن السعودية حققت الاكتفاء الذاتي من القمح خلال عقد التسعينيات من القرن المنصرم، وأرسلت باخرتين كبيرتين محملتين بالقمح السعودي للاتحاد الروسي. ومصر تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي في القمح أثناء فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي القصيرة جدا، والذي أعلن أن مصر تسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والدواء والسلاح.

والسودان -الذي يُعد سلة غذاء أفريقيا كما يقولون- يعاني من الصراعات الداخلية وعدم الاستقرار، ويستورد نحو 70% من احتياجاته من القمح!

وما عرضناه يؤكد ازدواجية المعايير الغربية، ويفضح "إنسانية" الغرب المزعومة القائمة أساسًا على سيادة الإنسان الأوروبي، وعلى اضطهاد وإقصاء الآخر.