لماذا لن تنجح بلداننا في مواجهة أزمة أسعار الغذاء؟

كلّ شيء حكومي في بلداننا يسعى إلى تفقير المواطن و"بهدلته" (الجزيرة)

ما إن بدأ العالم في الخطوة الأولى نحو الخروج من نفق جائحة كورونا، حتى دخل في نفق آخر وهو الحرب الروسية على أوكرانيا، والتي بدأ الجميع فورا بالشعور بآثارها المدمرة، وخاصة شعوب البلدان النامية والأشد فقرا مثل كل بلداننا العربية طبعا، والتي تمثلت بخروج أسعار الغذاء عن السيطرة بشكل مرعب، والتفكير في كيفية توفير تلك المواد الغذائية الأساسية من قمح وأرز وزيت، ليس بأسعار معقولة فحسب لكن أيضا استمرارية تدفقها على الأسواق.

كانت أسواق الغذاء أصلا تتلقى ضربات موجعة قبل الجائحة وقبل الحرب، وخاصة من مشكلة التغير المناخي التي باتت تعصف باستمرارية إنتاج تلك المواد الغذائية الأساسية على المستوى العالمي، وبما أن ربع إنتاج القمح السنوي في العالم يأتي من روسيا وأوكرانيا، فكان من الطبيعي أن تؤدي تلك الحرب إلى ارتفاع كبير في أسعاره، وأيضا في أسعار الذرة والشعير وزيت المائدة، لذلك باتت الآن هناك ضبابية بشأن أسعار تلك المواد في الأيام المقبلة نتيجة كل تلك الأسباب، إضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة والمبيدات وباقي متطلبات الزراعة.

لكن رغم هذا الرعب وهذا التشاؤم، فهناك ضوء ساطع آخر هذا النفق، فبحسب المديرة المنتدبة لشؤون سياسات التنمية والشراكات في البنك الدولي ماري بانغيستو، فإن المخزون العالمي من مادتيّ الأرز والقمح والذرة ما زال مرتفعا جدا وفي أفضل مستوياته، وإن مخزونات القمح -وهي السلعة الأكثر تضررا من الحرب- تبقى في أفضل مستوياتها مقارنة بمستوياتها إبان الأزمة المالية العالمية في 2007 و2008، وإنه تم بالفعل تسليم نحو 3 أرباع صادرات القمح الروسي والأوكراني إلى مستحقيها قبل اندلاع الحرب أصلا.

لكن تبقى هناك خطوتان غاية في الأهمية، وهما: أولا، تلك السياسات الناجعة النقدية والزراعية التي يجب أن تعتمدها تلك البلدان الأشد فقرا، وخاصة بلداننا العربية التي تضررت بشكل كبير جراء الحرب الدائرة. وثانيا، التكافل العالمي بشأن هذه المسألة. وبحسب رأيي، فإنني أشك في نجاح أي من هاتين الخطوتين فيما لو تم البدء في اتخاذهما أصلا، فمن ناحية بلداننا فأنظمتنا وحكوماتها تبدو وكأنها غير قادرة على فعل أي شيء، وبعبارة أدق تبدو وكأنها غير معنية بالأمر، كما تعنيها مثلا تلك المسائل الأمنية وربما السياسية. أما الخطوة الثانية، فقد أظهرت جائحة كورونا كيف انكبت البلدان الغنية على مصالحها الداخلية، ورمت خلف ظهرها احتياجات شعوب تلك البلدان المتخلفة والفقيرة، ومن ضمنها بلداننا العربية طبعا، وربما ستفعل ذات الشيء بالنسبة للغذاء هذه المرة.

لكن يبدو أن أنظمتنا لا تتعلم أبدا، وستبقى قضاياها الأمنية على رأس أولوياتها كما هي العادة المريضة. فبحسب بانغيستو، فهذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها العالم أزمة غذائية، وكان آخرها إبان الأزمة المالية التي بدأت في 2007 و2008، عندما فرضت أكبر البلدان المنتجة للغذاء قيودا على الصادرات، مما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار وقتها، ولم تنخفض بعدها أبدا حتى بدأت هذه الحرب وعادت إلى الارتفاع الكبير مجددا.

يبدو أن الخلاص من هذه الأنظمة بات هو الحل الأمثل لشعوبنا، كي لا تعاني فترات جوع قادمة ستكون قاسية جدا، رغم التضييق على الحريات والسعي المحموم على الحاجيات الأساسية أصلا ودون جدوى.

فالحلول التي يضعها البنك الدولي من خلال توصيات بانغيستو، الظاهر أنه لا يمكن لأنظمة من هذا النوع تطبيقها، ليس فقط لأنها غير معنية، بل لأنها غير قادرة أو مهيأة أصلا، ومن هذه التوصيات مثلا لا على سبيل الحصر:

أولا، دعم المستهلكين والأسر الفقيرة عن طريق شبكات الأمان، المشكلة هنا -عزيزي القارئ- أن الشعوب العربية كلها أصبحت الآن من الأسر الفقيرة، فهيهات أن تطبق مثل هذه التوصية في بلداننا.

ثانيا، دعم المزارعين. هذه التوصية ربما تكون الأصعب علينا لأننا تربينا مثلا على أن تكون وزارة الزراعة أكبر عدو للمزارع، كما هي وزارة التجارة أكبر عدو للتاجر، ووزارة الصناعة أكبر عدو للصانع، ووزارة الاستثمار أكبر معيق للاستثمار. وكما أن الحكومة كلها والنظام بشكل عام أكبر عدو للمواطن، وكأن كل شيء رسمي في بلداننا يسعى إلى تفقيره و"بهدلته وشرشحته"، هذا علاوة على قصور وندرة القوانين التي كان يجب أن تُسنّ لحماية الأراضي الزراعية الحمراء من زحف أطنان الإسمنت إليها وتحويلها إلى مزارع وقصور وفلل للفاسدين والمتنفذين وأصحاب المال، حتى باتت تختفي بشكل مؤلم أمام أعيننا بشكل يبدو وكأنه ممنهج ومخطط له.

ثالثا، عدم سرقة قروض البنك الدولي وتحويلها إلى تلك الملاذات الآمنة في حسابات شخصية لمسؤولين ومتنفذين ومنتفعين، والذين غالبا ما تتضخم حساباتهم بالتزامن مع تحويلات البنك الدولي، وهذا بات أمرا معروفا ومفضوحا، لكن لا حياة لمن تنادي. فقد حول البنك الدولي بالفعل خلال 2020 و2021 ما قيمته 34 مليار دولار لبلداننا، وهي قروض كانت موجهة بشكل أساسي لمساندة ودعم القطاع الزراعي والحماية الاجتماعية وتعزيز الاستجابة المبكرة لمواجهة أزمات الأمن الغذائي، إلا أننا لم نلحظ شيئا أبدا، لا على المستوى الزراعي ولا على مستوى الأمن الاجتماعي ولا على مستوى التصدي لتقلبات أسعار الغذاء. يبدو أن فضائح الملاذات الآمنة لم تمنع أصحابها من السرقة، بل دخل رواد جدد حتى أثناء الجائحة، وسنكتشف قريبا أنه حدثت نفس التحويلات حتى أثناء الحرب التي ستدمر ما تبقى من شعوب تكابد ضنك العيش في بلداننا الأمنية.