إيسلي.. تسليت.. ونحن يا دليلة

موسم إملشيل للخطبة والزواج، موسم سنوي تقام فيه زيجات جماعية بالمنطقة إلى اليوم (بيكسلز)

الاثنين، 20 أيلول/سبتمبر، صفير سيارة الإسعاف يملأ أرجاء المكان.

على النقالة، أربعيني، تغيرت ملامحه بفعل الانتفاخ والكدمات. ممرضة الإسعاف تنقل لي بنبرة سريعة مؤشرات المريض الحيوية.

مستوى ضغط الدم، معدل ضربات القلب، والتنفس… بحسب المعاينة الأولية، يبدو أن المريض قد تعرّض لصدمات على مستوى الوجه والصدر، إثر حادث في الطريق المؤدي لقرية إملشيل بالمغرب.

بحسب الفحوصات السريرية ونتائج الفحص بالرنين المغناطيسي لرأس وصدر المريض، لم يكن هناك ما يستدعي القلق بشأن حالته الصحية، لكن بغية الاطمئنان أكثر عليه، فقد وضع تحت المراقبة، في العناية المركزة.

كنت أمرّ عليه بين الفينة والأخرى خلال ساعات مناوبتي. تحدثنا قليلا عن حادثه، عن حالته، وتحدثنا أكثر عما ساقه لإملشيل.

ولمن لا يعرف إملشيل من قرائي الأعزاء، فهي قرية تقع في قلب جبال الأطلس الكبير، في الجنوب الشرقي للمغرب، اشتهرت بأسطورة "إيسلي وتسليت".

يحكى أن شابين سليلي قريتين متعاديتين بإقليم إملشيل، وقعا في حب بعضهما بعضا. تواعدا تحت أشجار الخروب، حلما معا، ورسما خيوط حكايتهما معا، لكن القدر شاء أن يحول العداء القبلي دون أن يجتمع العاشقان في عشهما.

منعتهما القبيلتان من اللقاء، وأجهضت العشيرة أحلام المغرمين. تقول الأسطورة إن الحبيبين زجا بنفسيهما ف بحيرتين بإملشيل، باتت الأولى تسمى "إيسلي" وتعني بالأمازيغية العريس، والثانية "تسليت" ويقصد بها العروس.

وبحسب رواية أخرى، فإن النهرين هما في الأصل دموع العاشقين، حزنا على الفراق قسرا.

وحتى تكفر القبيلتان عن ذنبهما، عقدتا موسم إملشيل للخطبة والزواج. موسم سنوي، تقام فيه زيجات جماعية بالمنطقة إلى اليوم، مخلدين ذكرى ذاك الحب الأسطوري.

ولأننا كنا في الموسم ذاته، قلت ممازحة المريض: وهل قصدت إملشيل بحثا عن عروس شابة؟

قال بعد تنهيدة، خلت أن "روحه زهقت جراها":

  • بل إني راحل بعد خامس خيبة.
  • وأي خيبة تلك؟

أعجبت بابنة عمي دليلة، ثم وقعت في حبال حبها، واصطبرت سنين وسنين. طلبت يدها في الموسم أول مرة وأنا ابن الواحدة والعشرين، رفضتني، فقالت لا زلت يافعا لا تفقه في أمور الدنيا ما يكفي.

فأعدت الكرة وأنا ابن الخامسة والعشرين، ورفضتني مرة أخرى، وقالت ما زلت لم تجهز كما أريد.

ليتها فقط تدرك فعلا ما تريد.

وظللت هكذا أحاول وأحاول، وكانت هذه مرّتي الخامسة. أذهب حاملا السكر واللوز، وأعود مثقلا بالخيبات.

كانت تلك ابنة عمي، وكانت هذه طعنة العشيرة.

ناجيت فالق الحب والنوى، ليالي كثيرة. كتبت لها في الثلث الأخير من الليل عسى أن حبي يستجاب.

وبعيون مغرورقة، مدّ لي رسالة خط عليها بيده ما يلي:

أما أنا يا دليلة فتمسكت بك كما تمسك الكف ساعدها، ورميتني كيَدٍ جرباء، ألعنك وما فعلت بي مئة مرة، ثم أعود لأحبك فوق الألف، مرة والاسم الذي يجمعنا، ما عدت أعرف ما أفعل به، أأذمه، أم أعشق التصاقه بي؟

أكف عن التفكير بك جاهدا، حتى أنساك يا دليلة، ثم تظهرين من قرارة الذكرى، فتعفسين بقلبي، تبطشين بي بطش العدو. يا دليلة قولي لي ما فعلت بي، حتى صرت لحبك هكذا ذليلا.

رحلت كما أردتِ أن أفعل، وحملتك معي بذاتي، بصحو عيني، وبين الجفن والمدمع.

تهت في أقطار الدنيا، أبحث لحالي منك سبيلا، وما وجدت لا منزلا ولا سكنا.

كتبت سطورا لأنسى، فإذا بك من بين الفواصل تطلعين. مشيت أميالا لأنسى، ومن حقول المكاديميا تطلعين.

وليت وجهي للقبلة، فوجدتك كملاك يسر الناظرين.. كتب هذا وسطورا أخرى.

ثم قال: يبدو لي أحيانا، أن الأسطورة تعيد نفسها، وكأن التاريخ يكرر نفسه. لست أدري من الملعون أإملشيل أم أنا، أم هاتان البحيرتان.

لست أدري أي حياة لي وأنا في حالي هذه، حييت لها ولم أفلح، كدت أسلم الروح لها ولم أفلح.

إني اليوم، أرى نفسي في نظم بهاء الدين زهير، وهو يقول في قصيدته "نهاك عن الغواية":

فَلَيتَكَ لَو بَقيتَ لِضعفِ حالي .. وَكانَ الناسُ كُلُّهُمُ فِداكا

يَعِزُّ عَلَيَّ حينَ أُديرُ عَيني .. أُفَتِّشُ في مَكانِكَ لا أَراكا

وَلَم أَرَ في سِواكَ وَلا أَراهُ .. شَمائِلَكَ المَليحَةَ أَو حلاك