شعار قسم مدونات

رمضان.. والنفس والإنسان

في رمضان تضاعف أجور القائمين لله، وفيه يصلي المسلمون صلاة التراويح (وكالة الأناضول)

لقد علمت أن من يقوم بالكسل يقعد بالندم، وأن الصبر بمرارته هو دواء المؤمن وصاحبه في دار الكد والعمل. وها أنت تشهد سرعة تقلب الأيام وإدبارها، بخيرها وشرها، وإن ثلث عمر رمضانك قد أفل وانطوى، شهر هو كله دواء لنفسك من خبث الدنيا ودخنها، ومن وسوسة شياطينك ومكرها، وتضعضع نفسك ووهنها، فلو قصرت فيما سبق فلا تخسرن ما قد بقي، فما أقربك من أنامل المغفرة والرحمة والعتق تستلبك من سقر ولظاها وسوء حال أهلها.

ولقد علمت أن للنفس شوكة مثلما أن للرجل في ميدان الحرب شوكة، فهي مثله تثخن في قرينها خشية أن يثخن فيها، فهي -أي النفس- نزعة البقاء في الإنسان، وهي الطفل المدلل التي تميل بك إلى العصيان، وفي كنهها رغبة البقاء والوجود، ونيل كل لذيذ منشود.

والنفس كما علمت ليست فقيرة إلى الحيلة، وكما قد جربت ولا ريب فإنها دافعة إياك حينا بعد حين نحو دروب الرذيلة، إلا من اثنين: معصوم قد تولى الله أمره، أو مجاهد شديد البأس يزجرها إذا انتفضت، ويخيبها إذا طلبت. ولعلك اطلعت على قول شاعرنا الواعظ:

ومن يطعم النفس ما تشتهي

كمن يطعم النار جزل الحطب

ولا تحسبن هذا القول قولا عابرا، ولا تكتفين بالاهتمام ببلاغته وفصاحة صاحبه، فالمقام لا يحتمل هزلا ولا كسلا؛ لأنك ستكون حطبها في حال أطعتها فيما تريد.

وقد أسلف أهل العلم في الكلام عن النفس وشوكتها فأحسنوا، وأبانوا أسباب اشتداد عودها ونبهوا. ومن ذلك أن النفس تقوى إذا امتلأ البطن وتمتع الفرج، وأطلق البصر وأفلتت الجوارح في اصطياد فرائسها من الملاذ من غير ضبط ولا تدبير.

ولقد علمت -حفظك الله- أن عصرنا عصر تفشت فيه التفاهة والميوعة، وانتشرت فيه السفالة وعزت فيه مكارم الخلق والمروءة، وصار الواحد فينا يهرب من إثم إلى إثم، فهو يرى المنكرات بالبصر حيثما أطلقه، ويسمع الزور والبهتان راغبا كان أو مرغما، ووجد أهل الباطل الطريق لتعطيل الحدود، وها نحن نعيش الأيام وكأنها ثوان من زخم الانشغالات وكثرة الملهيات وسهولة الوصول للمراد، وقد أمست أرض الله مسرحا للشيطان، ومرعى يقود إليه النفوس وأكثرها له تنقاد، فالصيام الصيام، والقيام القيام لمن خشي على نفسه السوءة والخزي، وأشفق عليها من السؤال وتبعاته، ومن الجحيم ودركاته.

ولقد علمت يا ابن الكرام أن أصدق الكلام كلام الله عز وجل، وأن خير الهدي هدي نبيه المكرم عليه الصلاة والسلام، وأنه إنما يخشى الله من عباده العلماء، ففي هذا المقال أعرض لك ما عرض لي، وما التمست فيه صلاح عقلي وقلبي ومآلي بإذن الله الواحد الأحد.

يقول الله سبحانه في محكم التنزيل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة 183). وقد علمت كما أسلفنا أن الصيام مانع النفس من التقوى على صاحبها، فانظر -رعاك الله- فضل الله على الناس إذ جعله عليهم فرضا، ذاكرا علة الصيام في ذيل الآية: لعلكم تتقون.

وكما لا يخفى على طيب مثلك فإن الله قد أكثر من وصف عاقبة المتقين، فقال في بعض قول: "وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" (القصص -83)، وقال: "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ" (الحجر -45)، وهذان مثالان من قول طويل. فيا مرحبا بالواجب الذي فيه سعدنا ونجاتنا، وبتمامه نعيمنا ومفازنا، فإن الله لذو فضل على الناس، إذ أبان لهم ما فيه رخاؤهم ورضاهم وهو الغني عنهم غير المحتاج لطاعتهم.

فاحذر من الانجرار وراء ما يضرك ولا ينفعك، ولا تختزلن الصيام بالجوع والعطش وهجر الزوج في الفراش، فالصيام أسمى من ذلك وأعز، كيف لا وهو الذي نسب الله أجره إليه، تمييزا عن سائر الفروض والعبادات، إذ قال جل من قائل "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به". وبهذا النسب شرف مقام الصيام وعظم أمره، ومن حجب الله جزاء الصائم صار للجزاء ما يواطئ شرف الصوم وعظم مكانته بين الفرائض الإلهية على الإنسان.

وقد ورد في صحيح البخاري -رحمه الله- حديث عن حال الصائمين يوم القيامة، إذ ينادي بهم المنادي دون غيرهم، فيدخلهم من باب الريان لا يدخله غيرهم شاكرين مطمئنين في يوم شديد في شدته، طويل في مدته.

وقد قسم أهل العلم الصيام 3 أقسام: صيام العموم؛ وفيه الكف عن شهوات البطن والفرج، وهو أدنى مراتب الصيام. وصوم الخصوص؛ وفيه كف النظر واللسان واليد والرجل والسمع والبصر وسائر الجوارح عن الآثام. وصيام خصوص الخصوص، وهم صفوة الناس في وقتهم؛ وفيه صيام القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار الدنيوية المبعدة عن الله سبحانه وتعالى. وفي حديث للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يقول "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه".

وفي رمضان تضاعف أجور القائمين لله، ففيه يصلي المسلمون صلاة التراويح جماعة في بيوت أذن الله أن يذكر فيها اسمه، سنة عن الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه، وحشرنا معه ومع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.

ولا ترضين بأقل مما ينجيك، ولترين الله من نفسك خيرا ليجزيك خيرا، ولا تخلد إلى الأرض راغبا في متابعة المسلسلات وحضور مجالس اللغو والندوات، واغتنم شهرا أنت فيه حر من الشياطين، وروض نفسك ترويض الفارس السائس، واعتن بها اعتناء الوالد المشفق، فالنفس -كما أسلفت آنفا- كالطفل يرغب ولا يعقل العواقب، ولو كنت أبا أو كنت أما ووقفتما على ولد من أولادكما يطلب تناول السم يحسبه عسلا، أتتركانه والسم؟ أم تحولان بينه وبين هلاكه؟ فكذلك أنت ونفسك، وكما أن الطفل ينشأ من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، ثم يفهم علة منعه من كل خطير في صغره، فإن النفس أيضا ستفهم يوم تعرض على الواحد الديان، وتعلم أنك ألجمتها بالحق بالدليل والبرهان، وقدتها بفراسة نحو الجنان منقذا إياها من مكوث مرعب في النيران، مهتديا بتعاليم ربك في القرآن.