شعار قسم مدونات

نافذة على كتاب "الصوم تربية وجهاد" للدكتور محمد دراز

يعلمنا الصوم أن نصبر اليوم طائعين مختارين في وقت الأمن والرخاء حتى نكون غدا أقدر على الصبر في البأساء والضراء (الجزيرة)

على واحدة من صفحات الكتاب نقرأ:

وإنه لصبر يجر إلى صبر، ونصر يقود إلى نصر.

بهذه الكلمات يشير الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه "الصوم تربية وجهاد" إلى سعة المعاني التي يحملها الصوم، وتشعب تأثيراته في مشاعر المسلم وتفكيره وسلوكه. وإننا الآن نفتح نافذة على كتابه هذا لنقف على تلك المعاني كما فهمها، ونستشعر تلك التأثيرات كما وعاها.

في البداية يوجه لنا صاحب الكتاب الدعوة لنباشر عملنا في رمضان شهر الصوم بالإقلاع عن كل ظلم، والتوبة والإنابة من كل إثم. فإذا أتممنا هذه الخطوة السلبية بالتنزه والتطهر، بقي علينا أن نتبعها بخطوة إيجابية بالتجميل والتكمل، والبناء والإنشاء. فبعد أن تُفرغ قلوبنا من ظلمات الشهوة، يجب أن نملأها بنور الحكمة.

بعدها نمضي مع الدكتور دراز في تقصيه غايات الصوم، إذ يتوقف أولاً للتنبيه إلى أن الله عز وجل حين قال لنا: "كُتب عليكم الصيام" أتبعتها بالقول: "لعلكم تتقون". فجعل الصوم اختبارا روحيا، وتجربة خلقية، وأراد منه أن يكون الوسيلة إلى نيل صفة المتقين، والأداة في اكتساب ملكة التقوى.

فلئن علمنا الصوم أن نصبر اليوم طائعين مختارين في وقت الأمن والرخاء، فنحن غدا أقدر على الصبر والمصابرة في البأساء والضراء؛ ولئن علمنا الصوم كيف ننتصر اليوم على أنفسنا، فلقد أصبحنا به أجدر أن ننتصر غدا على عدونا. وتلك عاقبة التقوى التي أراد الله أن يرشحنا لها بالصيام.

لكن ذلك الهدف إنما يقوم في منتصف الطريق، الذي رسمه الله للصائمين، وإن في نهاية الطريق أهدافا أخرى أهم وأعظم.

فليس الشأن كل الشأن في أن يغلق الصائم منافذ حسه، ويُسكت صوت الهوى في نفسه، فذلك إنما يمثل إغلاق أبواب النيران، ولكن الشأن الأعظم أن يكون إغلاق منافذ الحس فتحا لمسالك الروح، وأن يكون إسكات صوت الهوى تمكينا لكلمة الحق والهدى. فتلك هي مفاتيح أبواب الجنان. والإسلام لما جعل شهر الصوم موسما لانطلاق الروح من عقالها، فتح فيها للأرواح بابين تتدفق منهما: بابا إنسانيا وبابا ربانيا.

فأما انطلاق الروح في رمضان من الباب الإنساني فذلك أنه أرشدنا إلى أن يكون زهدنا في الطعام والشراب ليس قبضا وإمساكا بالحفظ والادخار، بل بسطا وسخاءً بالبذل والإيثار. فالصائم مدعو ليطعم الجائع، ويسقي الظمآن.. كيف لا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم "كان أجود ما يكون في رمضان، حتَّى إنه كان أجود من الريح المرسلة".

وأما انطلاق الروح في رمضان من الباب الرباني فذلك أن الإسلام فتح فيه للطاعة مسالك مسلوكة، ورسم لها سبلاً ذللاً؛ فيها تسبيح وتحميد، وتكبير وتمجيد، وفيها تضرع وابتهال، ودعاء وسؤال، وفيها ركوع وسجود، وقيام وتشمير ونهوض، فإنه "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه". وذروة الأمر وسنامه في هذا الجانب الرباني، إنما هو في مناجاة الله بكلامه وفي دراسة كتابه، فتتأكد الصلة الوثيقة بين رمضان وبين القرآن، التي نتبينها في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.

وإضافة إلى ما تقدم، يدعونا مؤلف الكتاب إلى جولة أخرى للكشف عن ظاهرة لا تتجلى إلا في صوم رمضان، لأن هذا الضرب من الصوم يمتاز عن سائر أنواع الصيام في الإسلام بأنه لم يترك لأحد الخيرة في تحديد بدايته ونهايته، ولا في جمعه وتفريقه متى شاء وبقدر ما شاء، ولكنه جعل ضريبة الوفاء على الأمة جمعاء، في موسم معين من العام، وفي مقدار معين من الأيام، وفي وقت واحد، وفي نسق واحد.

فهذا الطابع الاقتراني الشامل يكفي وحده للدلالة على أن هذه الفريضة، بالإضافة إلى بعديها الروحي والإنساني، يراد أن تكون في الوقت نفسه حلقة اتصال بين الأمة كلها، وأن تكون رباطا من الرحمة بين المؤمنين، تصهرهم جميعا في قالب واحد، وفي جسد واحد. وهكذا أراد الله أن يجعل من عبادة الصوم المشترك شعارا لوحدتنا، بل أراد أن يتحول هذا الشعار شعورا، وأن يصبح هذا الشعار نارا ونورا، ناراً تفري قلوب الأعداء، ونورا يسري إلى قلوب الأولياء، تواصلا وتراحما وتساندا وتعاونا.

ويتوقف الدكتور محمد عبد الله دراز متأملا في معاني فريضة تلازم فريضة الصوم، وهي زكاة الفطر، التي تتميز عن الزكوات الأخرى بأنها واجبة على الأغنياء والفقراء على السواء، يواسي بها الغني الفقير، ويواسي الفقير من هو أفقر منه. فكما كانت ضريبة الصبر والزهد في رمضان فرضًا على الجميع، أصبحت ضريبة البذل والسخاء تنظم الجميع. وبهذا تترسخ التربية العملية على الوحدة والمساواة مرتين؛ تتنازل الأمة كلها جملة واحدة للتذوق مع المحرومين طعم العوز والحرمان، ثم تصعد الأمة كلها آخذا بعضها بأيدي بعض لترتفع فوق مستوى العوز والحرمان، وتتذوق مع المتذوقين طعم الارتقاء الذي يليق بالإنسان، وبهذا وحده يكون يوم العيد، يوم بهجة وسرور.

وعندما يعيش المسلم حقيقة الصوم، يعيش حقيقة الفرح. فالذي صام لم يمت جوعا، ولم يهلك عطشا، ولم ينهك مرضا، وهو بذلك ينال متعة السلامة والعافية، ومعها ستأتي متعة بالانتصار على الهوى، ومتعة بالتوفيق لإتمام العمل، ومتعة بالري على الظمأ، والنيل بعد انتظار وطلب.. كل هذا، وأمثال هذا، إنما يمثل إحدى فرحتين، بل أدنى الفرحتين، أما الفرحة الكبرى المدخرة له فإنه لا يحيط بها وصف الواصفين، ولا يقدر قدرها إلا رب العالمين. وقد جاء في الحديث الصحيح القدسي: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه".

ورمضان يحمل لنا معه دوما عبقاً لذكريات جليلة. ففي هذا الشهر الكريم غزوة بدر، التي كانت حدا فاصلاً بين الشرك والإيمان، والضلال والهدى، والشر والخير، والباطل والحق.

وفي هذا الشهر فتح مكة، الذي أتم الله فيه النصر للإيمان، وأعلن فيه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه سياسة الحب والصفاء والسلام.

وفي هذا الشهر الكريم ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، والتي يتجلى الله فيها على عباده، ليفتح لهم باب رحمته ومغفرته.

ومن أجَلّ هذه الذكريات وأعظمها وأسماها، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

وكأنّ الكاتب وقد أخذنا لنتأمل معاني الصوم، يأبى أن يتركنا قبل أن ينقلنا إلى أجواء العيد، ليُسمعنا نشيد التكبير الذي يتجاوب صداه في الطرقات على ألسنة الذاهبين إلى صلاة العيد، وفي المساجد على ألسنة المصلين. إنه يتفجر من الروح وانطلاقها فرحا وابتهاجا بإتمام رحلتها الموفقة، رحلة الصوم، ثم استبشارا وتطلعا إلى المستقبل بعين الثقة والأمل.

إنه شعار الانتصار في التجربة الماضية، والتصميم على متابعة الانتصار الروحي في التجارب المقبلة.. "الله أكبر، ولله الحمد".

تنويه: لكون المقالة نافذة على كتاب، فطبيعي أن يكثر فيها الكلام المأخوذ بنصه كما جاء في الكتاب، ولكن كثرة أقواس التنصيص التي تشير إلى الكلام المنقول تشوّه جمال الكتابة. فرأيت الأنسب إلغاء الأقواس وإلحاق هذا التنويه.