شعار قسم مدونات

شهر الصيام والتميز

هل يمكن التخلص من الوزن بزيادة عدد الوجبات اليومية والصيام المتقطع؟
الصوم يكسر حدّة الشهوة ويخفف من تأثيرها وسلطانها فيعود إلى الاعتدال وهدوء المزاج (غيتي إيميجز)

‌‌رمضان شهر صيام وتقوى وتزكية كما بين القرآن الكريم: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. لقد كان الصيام معروفا بين الناس من قبل الإسلام فجاء الإسلام وشرعه ضمن شرائعه وعباداته التي أسس عليها الدين ونظمه بشكل ثابت، ففي الآية إشارة إلى أن الصيام كان مكتوبا ومفروضا على الذين من قبلنا كما تشير الآية الكريمة.

الصيام لدى الأمم السابقة: "المعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل، فهو معروف عند قدماء المصريين واليونان والرومان والهنود. وفي التوراة الحالية مدح الصيام والصائمين، وثبت أن موسى عليه السلام صام 40 يوما، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعا، ويصومون يوما من شهر أغسطس/آب. وكذلك الأناجيل الحالية تمدح الصيام وتعتبره عبادة كالنّهي عن الرّياء وإظهار الكآبة فيه، وأشهر صوم النصارى وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وعيسى والحواريون، ثم وضع رؤساء الكنيسة أنواعا أخرى من الصيام" «الزحيلي، التفسير المنير، ج 2، ص: 129».

حكم الصيام

نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان، وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} في 88 موضعا من القرآن الكريم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكّرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال، وإنّما خصّهم الله بالنّداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، والمنتهون عمّا نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.

الحسنات

{كُتِبَ:} فرض. {الصِّيامُ} هو في اللغة: الإمساك، وقد يكون إمساكا عن الكلام على حدّ قوله تعالى لمريم عليها السّلام: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} أي: سكوتا عن الكلام، وقد يكون إمساكا عن غيره، ومنه قول النّابغة الذبياني: [البسيط]

خيل صيام وخيل غير صائمة

تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما

أي: خيل ثابتة ممسكة عن الجري، والحركة، فهي تعلك لجمها، لمنعها عن الجري، والركض، ثمّ نقل الصيام في الشرع إلى إمساك مخصوص عن الطعام، والشراب، والجماع، ونحو ذلك بنيّة مخصوصة، من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، وتمامه، وكماله باجتناب المحرّمات، وعدم الوقوع في المحظورات، لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من لم يدع قول الزّور، والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». أخرجه البخاريّ، وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقال أيضا: «ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع، والعطش، وربّ قائم حظّه من قيامه الكدّ، والسّهر»، أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة" «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه – الدرة» (1/ 419).

التميز

للصيام فوائد روحية عظيمة من أعظم هذه الفوائد الروحية:

أن الصائم يحتسب الأجر والثواب عند الله ويصوم لوجه الله وحده.

يكسر حدّة الشهوة، ويخفف من تأثيرها وسلطانها، فيعود إلى الاعتدال وهدوء المزاج، كما قال صلّى الله عليه وسلّم واصفا الصوم لمن يتعذر عليه الزواج فيما رواه الجماعة عن ابن مسعود: «.. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، أي بمثابة مضعف للشهوة.

وقال أيضا فيما رواه النسائي عن معاذ:

«الصوم جنّة» أي وقاية من المعاصي.

يستدعي الإحساس المرهف والشفقة والرحمة التي تدعوه إلى البذل والعطاء، فهو عند ما يجوع يتذكر من لا يجد قوتا من البائسين، فيحمله الصيام على مواساتهم، وهذا من أوصاف المؤمنين التي ذكرها الله: {رُحَماءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح 29/ 48].

وفيه تحقيق معنى المساواة بين الأغنياء والفقراء «التفسير المنير، الزحيلي» (2/ 131).

الصوم مطهرة للنفس، ومرضاة للرّب، ويعدّ النفوس لتقوى الله في السرّ والعلن، ويربي الإرادة، ويعلم الصبر وتحمل المشاق وضبط‍ النفس عند المكاره، وترك الشهوات، لذا قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «الصوم نصف الصبر».

نظرة الغزالي للصوم: «الصوم 3 درجات صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص، وأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا، حتى قال أرباب القلوب: من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة، فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين، ولا يطول النظر في تفصيلها قولا ولكن في تحقيقها عملا، فإنه إقبال الهمة على الله عز وجل وانصرافه عن غير الله سبحانه، وتلبس بمعنى قوله عز وجل "قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون". وأما صوم الخصوص وهو صوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بـ 6 أمور:

الأول غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم "إِنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، مَنْ تَرَكَهَا من مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ" وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خمس خصال يفطرن الصائم وينقضن الوضوء: الكذب والغيبة والنميمة والنظر بشهوة واليمين الكاذبة" وهو حديث موضوع ذكره ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات).

الثاني حفظ اللسان عن الهذبان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء، وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن، فهذا صوم اللسان «إحياء علوم الدين» (1/ 234).

من خلال هذا العرض عن الصيام يلاحظ اهتمام المسلمين به من جوانب متعددة نلخصها فيما يلي:

  • دراستهم للصيام.
  • التربية بالصيام.
  • التميز والعطاء في الصيام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.