شعار قسم مدونات

حرب العباءة

زيلينسكي: أوكرانيا ستواصل السعي للانضمام إلى «الناتو»
زيلينسكي: أوكرانيا ستواصل السعي للانضمام إلى الناتو (الجزيرة)

مقالتي هذه لا أكتبها بقلم محلل سياسي، فأنا لست كذلك، ولا أقدمها من موقع خبير إستراتيجي عسكري، فذلك ليس شأني.

كل ما في الأمر أنّي كإنسان يعيش عصره لا أرى نفسي في غنى عن الإلمام ببعض الخطوط العريضة في ماضي السياسة وحاضرها، والخطوط العريضة لا ينبغي أن يخطئ المرء فهمها، وبفهمها يستغني عن الغرق في التفاصيل والضياع فيها. ومن هنا يبدو لي ما يجري اليوم بين روسيا وأوكرانيا، وتتسع تفاعلاته خارجهما غير منفصل عن مسار أفرزه واقع ما بعد الحربين العالميتين، وحدثت له تحولات وانعطافات واضحة بدأت منذ ما يقرب من ربع قرن.

فقد شهدت أوروبا في النصف الأول من القرن الماضي حربين عالميتين، أتعبتا مشعليهما، وأرهقتا المكتوين بنارهما؛ فخرجت منهما المدن مدمرة، والشعوب منهكة، وقسمت دول الحلفاء المنتصرة دولة ألمانيا المهزومة إلى شطرين، شرقي وغربي، وكان طبيعيًّا أن يتلهف العالم ليعود للعيش بسلام.

ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها في عام 1945، اجتمع ممثلو 50 دولة في مؤتمر الأمم المتحدة حول التنظيم الدولي في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، وشرعوا على مدار شهرين في صياغة ميثاق الأمم المتحدة ثم التوقيع عليه، الأمر الذي أدى إلى إنشاء منظمة دولية جديدة، الأمم المتحدة، كان من المأمول أن تمنع نشوب حرب عالمية أخرى مثل التي عاشوها قبل زمن يسير.

ولأن الخوف من العدوان يبقى قائمًا، بادرت الولايات المتحدة الأميركية مع المملكة المتحدة وفرنسا إضافة إلى مجموعة من الدول التي تدور في فلكها إلى تشكيل تحالف عسكري باسم منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) سنة 1949، ليشكل هذا الحلف نظامًا للدفاع الجماعي، تتفق فيه الدول الأعضاء على الدفاع المتبادل ردًّا على أي هجوم من قبل أطراف خارجية. ومع انضمام ألمانيا الغربية لاحقًا إلى الناتو عام 1955 جاء رد الفعل سريعًا من الاتحاد السوفياتي بتوقيع اتفاقية أمن مشتركة، عُرفت بحلف وارسو، جمعته مع 7 دول من كتلة أوروبا الشرقية هي: ألمانيا الشرقية، بولونيا، رومانيا، هنغاريا، بلغاريا، تشيكوسلوفاكيا، إضافة إلى ألبانيا التي لم يطل مكوثها في المعاهدة.

ومع كون كل من الحلفين، الناتو ووارسو، بالأساس حلفًا عسكريًّا، فإن ذلك ترافق لدى الناتو مع غلبة الرأسمالية فيه كنظام اقتصادي، وإطلاق الحريات الفكرية والانفتاح على العالم، في حين التزمت دول حلف وارسو خط الاشتراكية والشيوعية، ووضع أطر تحدد لمواطنيها مجالات تحركاتهم، وضوابط تفكيرهم وإبداعهم.

شكل الخط الذي قسم ألمانيا إلى شطرين حدًّا جغرافيًّا بين الحلفين، فكانت دول حلف وارسو إلى الشرق منه، وأغلب دول الناتو إلى الغرب. وفي الشرق كما في الغرب مضى كل طرف ليمسح آثار الدمار التي خلفتها الحرب، ويعيد بناء دوله من جديد.

استولت على الشرق زعامات تحكم بالحديد والنار، وأدارت الغرب حكومات تسعى لتحقيق الأفضل.

ضمنت زعامات الشرق لمواطنيها ضرورات العيش، ومهدت حكومات الغرب لمواطنيها سبل الرفاهية.

ترسخت جذور زعماء الشرق على كراسي الحكم، وتناوبت على إدارة الغرب حكومات، فكانت الأقل كفاءة فيها تفسح الطريق لوصول الأكفأ.

كان على زعامات الشرق لتضمن ولاء مواطنيها أن تلقنهم نظريات وأفكار ماركس ولينين، وأطلقت حكومات الغرب إبداعات مواطنيها لاكتشاف الأفضل.

ولطالما ترددت في الشرق الشعارات، وتسارعت في الغرب الخطوات.

صُوَر عيش الإنسان في الغرب لم تكن تطالع الشرقي صباح مساء، فالعصر لم يكن عصر الفضائيات؛ ومع ذلك كان القليل الذي يتسرب منها كافيًا لإقناعه أنه يمكن للإنسان أن يحلم بواقع أفضل، لكن معرفته أن حلمه مراقَب، وإدراكه أن عواقب التمرد قاسية ألزماه حدود القناعة إلى حين.. إلا أن دوام الحال من المحال، فقد أخذت الأحلام التي أضناها الكبت تتنفس هنا وهناك.

في عام 1989 بدأت تطفو على السطح مظاهر تململ شعبي من الوضع القائم في الكتلة الشرقية؛ بدأت في بولندا، وتأججت في رومانيا، وما لبثت أن عمت بقية الدول؛ كأنما استشعر الألمان أن الظروف صارت مناسبة للتمرد على قرارٍ شقَّ دولتهم، فما لبثت ألمانيا الشرقية أن أعادت انضمامها إلى شقيقتها الغربية، واقتضى ذلك خروجها من حلف وارسو عام 1990.

كان ذلك إشارة إلى بداية انفراط عقد وارسو، فبعد أشهر قليلة أعلنت الدول الست المتبقية خروجها من الحلف، وبقي الاتحاد السوفياتي وحيدًا في عباءة كان قد ضمّ إليها كتلة الدول تلك لتشكل معه ندًّا للناتو، ثمَّ ما لبثت تلك الدول أن أصبحت أعضاء في الناتو الذي كانت بالأمس في صف خصمه.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فالاتحاد السوفياتي نفسه الذي كان قد تشكّل من 15 جمهورية تقودها روسيا ما لبث أن تفكك أيضًا، وورثت روسيا وحدها عباءة الندّية للناتو ولأميركا، وانضمت دول البلطيق التي كانت ضمن الاتحاد السوفياتي  إلى الناتو أيضًا.

حاولت روسيا إبقاء دول الاتحاد السوفياتي السابقة دائرة في فلكها، بوسائل منها التدخل في شؤون تلك الدول، والدفع لإيصال موالين لها هناك إلى سدة الحكم. وشكلت الثورة البرتقالية عام 2004 انتفاضة شعبية على تلك المحاولات الروسية في أوكرانيا، وصار يتضح أكثر ميل أوكرانيا إلى الانفتاح على أوروبا والغرب، وهذا ما أزعج روسيا، لأنه يشكّل انتقاصًا لهيبتها، وتعدّه تهديدًا لمكانتها. ووصلت الأمور إلى ما نراه اليوم… ومع الذي نراه اليوم تتفجر تساؤلات:

  • أيستطيع بوتين أن يُقنع الأوكرانيين أن ظِلّ العباءة الروسية سيعطيهم رفاهية لا تستطيع أوروبا أن تمنحهم إياها؟ أم سيقنعهم أن تمسكهم بالروابط الجغرافية والعرقية والمذهبية التي تصلهم بروسيا سيبقى حاجتهم الأهم؟
  • أيُغريهم وقار العباءة بالتمسح فيها، والاغتباط بجوارهم لها؟
  • هل يمكن أن يتخلى الأوكرانيون الفارّون من لظى المعارك عن التوجه غربًا، ليغيروا وجهتهم نحو بوتين الذي سيحميهم من بعبع النازية الذي ينتظرهم في الغرب؟
  • وإن لم يحدث شيء مما ذُكر… أيمكن أن يخرج من تحت العباءة سلاح نووي يحرق الأخضر واليابس، ليفرض السلاح بعدئذ إرادته، وينال زعيم روسيا نشوة النصر؟

يبدو أن السيد بوتين، وهو ربيب المرحلة السوفياتية، لا يزال مسكونًا بذهنية الزعيم التي ورثها عن تلك المرحلة، ويرى نفسه فيها زعيمًا إذا أمر لا بد أن يُطاع، ويكفي لذلك سببًا إشباع غطرسة الزعيم.

وللغطرسة في الغرب، كما في الشرق، جذور وصور، لكنها في الغرب تسكن دولًا أكثر مما تسكن الأشخاص، دولًا تُرضي مواطنيها، وتمارس غطرستها على الآخرين. والدولة المتغطرسة قد تدمر دولًا أخرى، ثم تنتهي إلى الدمار، أما الزعيم المتغطرس فيمكن أن تقوده سياسته إلى تدمير دولته، ثمَّ ينتهي.