زوار الحيّ.. عن الفجوة بين سوريي الداخل والخارج

في سوريا كنا مرتبطين بمدننا وأحيائنا ونحبّ وطننا ونبذل كل جهدنا لتطويره (الجزيرة)

أكاد أجزم أنّه في كل حيّ من أحياء سوريا كان هناك عائلة على الأقل تستقبل سنويّا أقرباء لهم من أوروبا أو أميركا، ننظر لهم كأنهم من كوكب آخر، وينظرون لنا نظرة دونيّة لا نعرف أسبابها، ويتهامسون فيما بينهم عندما يبدر منا تصرف عفويّ، وقد كانت ردود فعلهم هذه كفيلة بأن يحشد الحيّ كل مشاعر الكره تجاههم بطريقة غير مباشرة.

ورغم نظراتهم وهمساتهم إلا أنهم طالما تحدثوا أمامنا عن شجر الأكدنيا، وبائع المثلجات المتجوّل، والحمّص الأخضر واللعب في "الحارة"، وطالما انتبهوا منبهرين لتفاصيل بسيطة في طعامنا وبيوتنا وأسواقنا. أذكر هذا جيدا لأنه كثيرا ما أثار تساؤلي، فقد عشتُ 20 عاما في مدينتي، ولم أسمع عن عائلة مغتربة عادت إلى حضن الوطن، ما جعلني أشعر بشيء غير منطقي، فما دامت بساطتنا تستهويهم لهذا الحدّ، لماذا إذن -وهم يملكون ثمن أغلى منزل في الحي- لا يشترون منزلا في حيّنا ويعيشون بيننا كونهم يعشقون تفاصيل حياتنا على حد تعبيرهم؟

ثم تغرّبت منذ 10 سنوات، وبالرغم من أنني ما زلتُ في دول المنطقة التي لا تُقارن بالدول التي أتى منها زوّار الحيّ، إلا أنّني توقّفت عن التساؤل، وعرفت أن مشاعرهم صادقة عندما كانوا يحدّثوننا عن شجر الأكدنيا وبائع المثلجات المتجول وبساطة الحياة في مدينتنا. ربما فقدوا بغربتهم هذه التفاصيل، ولكنّهم في حال عادوا، سيفقدون الحرية والكرامة والقانون والثقافة والتعليم والصحّة، سيفقدون "الحياة الكريمة".

هذا لا يعني أننا لم نكن راضين، على العكس تماما، لقد كنا مرتبطين بمدينتنا وحيّنا ونحبّ وطننا ونبذل كل جهدنا لتطويره، إلّا أنّنا خُلقنا في هذه الظروف ولدينا هذه الموارد، فحاولنا أن نعيش حياة كريمة وفق هذه المعطيات. بما أن الفرصة لم تسمح لي وقتها بزيارة أوطانهم الجديدة، فلم يكن لدي مبرّر عن نظرتهم الدونية تجاهنا. أما الآن فأنا أفهم ما كانوا يفعلونه، لكني لا أقبله بالتأكيد.

بحكم عملي في المجال الخيري، تصل لنا الكثير من حالات الولادة لأمهات يحتجن لمساعدة بالتكاليف، وعندما ننشر هذه الحالات كما هي العادة على موقع فريق ملهم ومعرفاته الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات؛ نتفاجأ في كلّ مرة بتعليقات تقول "لماذا تساعدونهم؟ يجب ألّا تشجعوهم على الإنجاب"، ويخاطبوهنّ بالتعليقات قائلين "توقّفن عن الإنجاب في هذه الظروف" وتعليقات أخرى كثيرة تشجعّنا على رفض هذه الحالات، والقيام بحملات توعية في المخيمات.

عادة تأتينا هذه التعليقات من أشخاص لجؤوا إلى البلدان التي عاش فيها زوّار الحيّ، وبكل تأكيد أصبح لديهم ثقافة حول التربية والإنجاب، بالإضافة إلى وعي كبير حول قضايا لا نفكر بها إطلاقا في الحي أو المدينة التي نعيش فيها، فكيف بأشخاص كانوا معنا في الحي ومنذ 10 سنوات وهم الآن لسوء حظهم في المخيمات!؟

عندما تمر العائلة بأي مشكلة، يبذل رب الأسرة كل جهده ليجد حلا لينقذ عائلته، فما بالكم بمشكلة الفقر لعائلة وجدت نفسها بين ليلة وضحاها تعيش في خيمة!؟ ولمن لم يجرّب الفقر، فأنا هنا لا أتحدث عن عسر مادي، بل أتحدث عن أقصى درجات الخسارة، عندما تعلم أنك لم تعد تملك أي شيء وبشكل حرفي.

تتحدث الدراسات عن ازدياد حالات الولادة في المخيمات والدول النامية والمناطق التي تعاني كوارث إنسانية. ومن تجربتي أعتقد أن أهمّ الأسباب هو أن الأب يتوصل لقناعة -بعد استنزاف كل الحلول- مفادها أن الحل الوحيد للخروج من الفقر، هو أن ينجب وزوجته عددا كبيرا من الأطفال، آملين بذلك أن يكون من بينهم طفل يغير واقعهم. فمع زيادة الأطفال تزداد احتمالية أن يكون من بينهم منقذ، خاصة مع انتشار قصص واقعية للاعبي كرة قدم ينتمون لعائلات فقيرة أصبحوا اليوم مشاهير ومنقذين لعائلاتهم.

أنا لا أقول أنّ هذا سبب كاف كي يعاني المزيد من الأطفال الرّضع في ظروف لا تُحتمل، لكني أعرف أنني في حال كنت أراه غير كافيا، فبحكم وجودي خارج المخيم، وأكتب هذا من بيتي، حيث أستطيع أن أتناول فكرة كهذه، وأحاكمها بعقلي وأزنها بالمنطق. لكن في حالة اليأس والفقر وقلة الوعي وانهيال المصائب واحدة تلو الأخرى، فإن هذا السبب سيبدو كافيا بنظرهم، وما دمنا نتحدث عنهم فعلينا ألا نُهمل وجهة نظرهم.

أما إذا لم يكن هذا السبب كافيا بنظركم فهناك دراسات تضيف لهذا السبب أسبابا أخرى لكثرة الإنجاب، ففي ظلّ عدم وجود تأمين اجتماعي وبخاصة للأب والأم اللذين يعملان بنظام اليومية في مجتمعاتنا، لن يستطيعوا أن يؤمنوا الطعام وإيجار المسكن عندما يتقدم بهم العمر ويصبحون غير قادرين على العمل، فالحلّ المنطقي والوحيد هو إنجاب عدد أكبر من الأطفال وبخاصة الذكور القادرين على العمل لمساعدة الأب والأم بالمصروف قبل التقاعد، وللاعتناء بهم عندما يكبرون، فالأبناء بالنسبة لآبائهم يعتبرون بمثابة ضمان التأمين الاجتماعي الذي تؤمنه الدولة لك.

عندما يتغيّر واقع هذه العائلة ليكون مشابها لواقعك الحالي، لن تكون مضطرا لتوجيه النصح لهم بكل تأكيد، بل سيكونون هم من ينصحك. فنحن اليوم لسنا أكثر وعيا منهم بسبب ذكائنا الخارق، بل بسبب اختلاف الظروف والفرص التي حظي بها كل منا. تذكّر أنك كنتَ في الأمس كما كانوا من سكان الحي، وتستقبلون من ينظر لكم تلك النظرة الدونية التي نكرهها جميعا، إلا أن ظروفك تغيّرت والبديهيات التي بين أيدينا أصبحت حلما بالنسبة لهم.

وبالتفكير لوهلة، تستنتج أنك وبالرغم من أن وضعك المادي ممتاز في بلدان العالم الأول، ومقدرتك على الإنفاق وبشكل مريح، لكنك لا تنجب الكثير من الأطفال ودون أن يوجه لك أحد النصيحة. وبالتالي يجب أن تنتقد الوضع الاجتماعي وتسعى لتحسينه لا أن تطلب منهم أن يتوقّفوا عن الإنجاب ليتحسّن الوضع الاجتماعي.

وإذا كنا نطالب برفع الوعي، فإن الأولى هو أن نرفع نحن وعينا بمشكلاتهم وطريقة تفكيرهم وظروفهم المحيطة وما دفعهم للتصرف على هذا النحو. وما دمنا لسنا الغرقى، فينبغي أن نكفّ عن إطلاق الأحكام والآراء حول ما يرونه قشة نجاة.