شعار قسم مدونات

السنن الكونية.. مباشرة الأسباب ومدافعة أقدار الله بأقداره (2)

السنن الإلهية والقوانين الربانية التي قام عليها نظام الكون لا تتخلف عادة محاباة لأحد (بيكسلز)

من الأصول القطعية: مباشرة الأسباب، وعلى هذا فإن تركها قدح في الشرع، مما يدحض ادعاءات الجهال والمغرضين، ونزيد هنا فنقول: إن صاحب الإيمان بالقدر ينازع القدر بالقدر، بمعنى ألا يستسلم للقدر ما دام له دافع أو رافع أو مانع، فيأخذ من الأسباب ما يحقق ذلك، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني "كثير من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق".

وما قاله هذا الشيخ الجليل العارف بالله حق، ويريد بذلك -رحمه الله تعالى- أنه يدافع المقدور ما دام في مدافعته مجال، مستعينا بالله تعالى مبتغيا وجهه.

وتفصيل ذلك أن المسلم مطالب بأخذ الوقاية من المحذور لئلا يقع، ويرفعه ويدفعه إذا وقع.

فمن الأول أخذ الحمية لئلا يقع المرض، والابتعاد عن محل الوباء لئلا يصاب به الإنسان، والتحصن وراء الجدر والحصون في الحروب وقاية من العدو، وليس في هذه الوقاية ومباشرة أسبابها مناقضة للإيمان بالقدر، وإنما أخذ بقدر لمنع قدر.

والقدر ما دام مجهولا عندنا فهو محتمل الوقوع، فنحن نباشر أسباب عدم وقوعه، فإن كان مكتوبا عند الله وقوعه لم يتيسر لنا مباشرة أسباب دفعه أو تتيسر لنا هذه الأسباب، ولكن لا تؤدي إلى نتيجتها لوجود مانع يمنع من إفضائها إلى مسببها، والمقصود هنا أن مباشرة الأسباب لمنع وقوع ما يحتمل وقوعه من الأقدار ليس فيه مناقضة للمعنى الصحيح للقدر، وإنما هو أخذ بقدر لمنع قدر، لأن السبب والمسبب بقدر الله تعالى، جاء في الحديث الشريف: قيل: يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هي من قدر الله".

فإذا كان من قدر الله ألا يصاب الإنسان بالمرض قدّر الله له مباشرة ما يدفع به وقوع المرض.

وعندما وصل الخليفة العادل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى مشارف الشام وعلم بنزول الطاعون فيهم وهمَّ بالرجوع قال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: أفرار من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال رضي الله عنه: لو كان غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، ونقع في قدر الله.

ثم قال عمر -رضي الله عنه- ما معناه: لو كان عندك غنم أو إبل وأمامك عدوة مجدبة وأخرى مخصبة، فإذا نزلت بالمجدبة أو المخصبة أو تحولت من المجدبة إلى المخصبة فكل ذلك بقدر الله (الإيمان بالقضاء والقدر، عبد الكريم زيدان، ص 29).

ومن النوع الثاني من منازعة الأقدار بالأقدار مباشرة الأسباب الرافعة للقدر بعد وقوعه، كتناول الدواء لرفع المرض، وطرد الأعداء والكفرة من ديار المسلمين بعد تسلطهم بإعداد العدة لذلك ثم قتالهم، ومثاله أيضا انحباس المطر يرفع بالالتجاء إلى الله والإنابة إليه واستغفاره كما هو معروف في الفقه في باب صلاة الاستسقاء، وكما دل عليه قوله تعالى حكاية عن نبيه نوح -عليه السلام- وما قاله لقومه ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا *يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ [نوح: 10-11]، فالالتجاء إلى الله والإنابة إليه واستغفاره من أهم الأسباب لدفع المكروه ورفعه بعد وقوعه ومنعه من الوقوع قبل أن يقع، وهذه معان يفقهها أهل الإيمان لا أهل الكفر والجهالة والعصيان (الإيمان بالقضاء والقدر، عبد الكريم زيدان، ص 30).

 

  • ملاحظة مهمة: استفاد المقال أفكاره من كتاب "سنة الله في الأخذ بالأسباب" للدكتور علي محمد الصلابي، واعتمد في كثير من معلوماته على كتاب "الإيمان بالقضاء والقدر" للدكتور عبد الكريم زيدان.

المراجع

  • الإيمان بالقضاء والقدر، الدكتور عبد الكريم زيدان.
  • سنة الله في الأخذ بالأسباب، الدكتور علي محمد الصلابي، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، 2016.