شعار قسم مدونات

أوكرانيا حرب الفرص (2)

أسباب ومبررات الحرب الروسية على أوكرانيا كانت موضوع الجزء الأول من هذا المقال الذي بينا فيه أن هذه الحرب لم تكن وليدة اليوم، وأن مخطط الحرب حاضر في وجدان راسمي السياسيات الإستراتيجية للدب الروسي منذ وصول قيصر الكرملين الجديد، وأوردنا وثائق ومراسيم مهمة تكشف ماهية الأمن القومي لدى "روسيا بوتين"، التي تبدأ من خارج حدودها، وترى في حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO) عدوا مستمرا يريد أن يتقدم أكثر بالتمركز على الحدود الروسية، مما يعني لدى مخططي إستراتيجيات روسيا خطرا داهما تجب إزالته.

وفي الجزء الثاني الذي نحن بصدده، نحاول قراءة مواقف الأطراف الفاعلة والمؤثرة بل والمتأثرة في هذه الحرب التي نراها تمثل فرصا إيجابية لأطراف ستستفيد منها أو تحاول تعظيمها لتحصيل أكبر قدر من الاستفادة، في حال عدم إفلات زمام الفرس الجامح. ولرسن ذلك الفرس، على الجميع أن يطوقه قبل أن يثير الفوضى ويؤذي الجميع حتى نفسه.

فرصهم في حرب أوكرانيا

الضمير هنا عائد على كل من أميركا وأوروبا وروسيا والصين وأوروبا "غير الموحدة المواقف" تحت العلم الأزرق بنجومه الـ12، ومن بعيد تأتي دول من القارة الحمراء، فلكل طرف من هذه الأطراف مصالح يريد أن يحظى بما تيسر له منها في هذه الحرب وزيادة، وأفرق هنا بين المتأثرين وبين المؤثرين في هذه الحرب، فنحن -العرب والمسلمين- لا ناقة لنا في هذه الحرب ولا جمل، اللهم إلا بعض الفرص التي يمكن الاستفادة منها على مستويين، مستوى الأنظمة ومستوى الشعوب، وسنفرد لكل منهما مساحة في عنوان مستقل.

من أشعل الحرب؟

أعني هنا أميركا، ولعل البعض ممن يشاهد الإعلام الغربي أو حتى العربي -المربوط بالغرب عضويا- سيرى في إشعال أميركا للحرب قولا يعد من قبيل التجني، أو قد يصنف الكاتب مباشرة بآلية الاتهامات سابقة التجهيز على أنه يساري أو موال أو ممول بـ100 روبل ووجبة "كنتاكي" روسية بالطبع! لكن الحقيقة أن محاولات أميركا الحثيثة من خلال حلف الناتو بوضع قواعد متقدمة لها على حدود روسيا هو ما أشعل هذه الحرب، لا سيما أن ما أوردناه في الجزء الأول من هذا المقال من وثائق ومراسيم ليست سرية، بل هي منشورة ومعلنة، وتعرف أكثر عن تفاصيله الأجهزة الأمنية للدول الأعضاء في الحلف، مما يعني أن تحريك البيادق لا شك سيثير الدب، ولعل أيضا النفخ في النار وإغراء الرئيس الأوكراني بالوقوف معه ضد أي تهديد روسي، حتى أنه دفع بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق لكي تقدم السلاح لأوكرانيا كان أحد المثيرات للدب، كل هذا قبل أن يعلنها بايدن صراحة: "ما أنا بمصرخك وما أنت مصرخي"، فالرجل ليس من النوع الذي تسعفه إمكانياته في أن يحارب المارد أو حتى يجرؤ على أن يخرجه، إذ إن إمكانياته وإدارته لا تمكنه من صرفه، ورحم الله إدارة عرفت قدر نفسها! مع ذلك، فإن الرجل نفخ في شرارة الحرب، ليعود منذ أيام ليجمع قادة حلفه العسكري لينفخ من جديد تحت تأثير الرأي العام الداخلي والعالمي، ليشهر سيفه من جديد ويعلن أنه لن يسمح بالمساس بدول الحلف، وماذا عن أوكرانيا؟! أوكرانيا سنساعدها بتقديم معدات أمن سيبراني!

بايدن يستغل الفرصة في حرب يراد لها أن تطول، من دون أن تتسع، ليلملم شتات القاصية من قطيع أوروبا الذي شرد منه، وبدأ يقرأ في التاريخ ويحلم من جديد بقوة ردع أوروبية، عوضا عن الحماية الأميركية التي جعلت ترامب يطالبها بالجزية، كما أن الحرب تعد فرصة لمصانع السلاح الأميركية أن تنشط بعد أزمة كورونا والكساد البادي في الأفق منذ عام 2019، وهو ما يعني مزيدا من فرص العمل وتقليصا لعجز الموازنة العامة، وفرصة لمزيد من إنتاج النفط -ولو على المستوى البعيد- للتخلي عن نسبة الـ8% التي تأتيه من روسيا، ومع مزيد من العقوبات التي تفرضها أميركا والغرب على روسيا ستضعف الأخيرة، لا سيما أن واشنطن استطاعت استصدار قرار بتجميد مشروع خط أنابيب "نورد ستريم 2" من ألمانيا المترددة، مما يعني ضرب أميركا للعلاقات الروسية الأوروبية التي رسخها خط النفط، وبعد حشد الرأي العام الأوروبي ضد ألمانيا اتخذت القرار، وخشيت برلين أن تفقد زعامتها الأوروبية، بالظهور بمظهر الساعية لمصلحتها الضيقة على حساب الاتحاد، قبل أن يعود مستشارها شولتز ليؤكد أن الاستغناء عن النفط الروسي صعب وإن كان يسعى إلى تنويع مصادر طاقة وصفها بالموثوقة.

وعلى الطرف الآخر، ترى روسيا أن الحرب تعد فرصة لها لرسم جدار عازل عن نفوذ حلف الناتو، واحترام الخطوط الوهمية التي رسمها بوتين على الخريطة لأمن بلاده القومي، وهو ما كان ليقبل إلا بضريبة يدفع ثمنها الطرف الأضعف في المعادلة، وتطبيقا لنظرية الضربة الاستباقية التي نفذها الرئيس الأميركي جورج بوش في العراق أرادت روسيا أن تطبق النظرية الأميركية على حليفها المحتمل، ولعل بوتين استهدف أيضا من هذه الحرب أن ينتهز الفرصة للضغط على أوروبا بورقة الطاقة، رغم عدم استخدامها حتى الآن، إلا أن العالم كله يئن من احتمالية استخدامها، ولا ريب أن الحرب في أوكرانيا ستعيد تشكيل تكتلات مناهضة للغرب الذي تقوده أميركا، وتحيي روح التمرد على القطب الأوحد، وهو ما يحاول بوتين فعله من خلال الصين ودول شنغهاي ودول "بريكس" (BRICS)، إلى جانب بعض الدول من خارج تلك التجمعات، لكن يجمعها بها رفض الهيمنة الأميركية، كإيران وتوابعها في العراق واليمن وحزب الله -الضاغط على القرار في لبنان- وفنزويلا، وهي الفرصة التي تستطيع بها موسكو تطويق المشروع الغربي لتوزع الحلفاء المحتملين فيما لو استطاع إحياء روح التمرد فيهم، ومع الجزم بأن فاعلية تلك العلاقات أو التجمعات ليست بقوة التجمع الغربي من عدة أوجه إلا أنها -في حساب موازين القوى وفضاءات التواصل الدولي والتمدد الجيوسياسي- سيكون لها أثر طويل الأمد إذا ما أصبحت هذه التجمعات قوية واستمرت في فتح الباب للمزيد من الدول للانضمام لها والانعتاق من 40 سنة من حكم القطب الواحد.

في سنة 2008، وفي أثناء الأزمة الجورجية، علق الرئيس البولندي حينها ليخ كاتشينسكي قائلا: "اليوم جورجيا وغدا أوكرانيا، وبعد غد دول البلطيق، وبعد ذلك ربما سيأتي الدور على بلدي"، هذا الخطاب الذي يُستدعى الآن في أوروبا، فبين أميركا التي تحارب من بعيد وروسيا التي ترى فيها تهديدا لأمنها، تقف أوروبا لتنفض عن نفسها غبار التبعية الأميركية وتلملم شتات روحها التي مزقتها "بريكست" (Brexit) الملهمة للدول والأقاليم، مما يعني مزيدا من التفسخ والتحلل، فلقد أفرزت الحرب الأدرينالين في الجسد الأوروبي مخافة العودة إلى تهديدات الاتحاد السوفياتي، وتطلعات الإمبراطورية الروسية أو على الأقل صقيع الحرب الباردة وما تعنيه من ميزانيات دفاع وجهت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي إلى مشاريع تنموية. وعلى التوازي لا يمكن إخفاء رغبة أوروبا في تقليم مخالب الدب الروسي حتى ولو بطريق العقوبات، ورغبتها في إعادة إحياء حلف قد أكل الدهر عليه وشرب، وهو ما وفرته فرصة الحرب في أوكرانيا.

أما الصين الواقفة على الحياد شكليا، فلا تمانع -بل تشجع- أن تكون روسيا خط دفاعها الأول في صراع طويل الأمد، تكسب فيه الوقت في مشروعها الحلم "الحزام والطريق" من ناحية، ولتستعيد أنفاسها في خطة طويلة لبناء إمكانياتها العسكرية للتحضير للصراع القادم مع الولايات المتحدة من ناحية أخرى، وعلى الرغم من أنها ترغب في مواجهة روسية مع الغرب وأميركا تحديدا، إلا أنها لا مانع لديها من أن تنتهز الفرصة لكي تظهر بمظهر الراعي للسلام، وهو ما أكد عليه رئيس جمهوريتها في اتصاله بالرئيس الأميركي، ووزير خارجيتها ومندوبها الدائم في الأمم المتحدة في كل المحافل الدولية.

أما تركيا الساعية لوقف الحرب، فترى في الحرب الدائرة في أوكرانيا فرصة بأن تظل خط الدفاع الأول عن الغرب والحافظ لأمنه من التقدم الروسي، فوجود قواعد لحلف الناتو في أوكرانيا يحرمها من هذه المكانة، ولعل حديث الرئيس التركي في القمة الاستثنائية للحلف منذ أيام يؤكد ذلك، إذ طالب برفع الحظر عن تصنيع الأسلحة في بلاده، ويغازل من جديد الحلف الذي منعه منظومة الباتريوت والطائرة الأميركية "إف-35" (F-35) فلعل عودة التصنيع العسكري لحلف الناتو فرصة قد تحوزها تركيا من جديد، ولعل أيضا تحركات تركيا الدبلوماسية في الأزمة تضعها من جديد في دائرة ثقة البلاد التي توترت علاقاتها بها خلال الأعوام الماضية، ولعل اللقاء الدافئ مع ماكرون دليل على ذلك.

الاحتلال الإسرائيلي -الذي حاول الظهور على الحياد مثل الصين- استفاد بمزيد من المهاجرين الأوكرانيين الذين أتوه على طبق من ذهب وعلى نفقة المجتمع الدولي ويمكن أن يقايض بهم، راكبا موجة استقبال اللاجئين، وتقدم تل أبيب نفسها على أنها وسيط مقبول لأطراف الصراع وعلى المستوى الدائري الأوسط والمتمثل في أوروبا وأميركا من جهة، وروسيا من جهة أخرى، لكن دور حمامة السلام التي تظهر به تل أبيب يخفي وراءه طائرا جارحا يريد أن يستفيد من الفرصة لينقض على المقاومة في غزة.

واستفادت كذلك إيران من تخوفات أميركا من تشكيل روسيا محورا يضم إيران، لا سيما أن الأخيرة في مفاوضاتها في الملف النووي بدأت تضغط في ظل إدارة مائعة للملف -من الولايات المتحدة الأميركية- وحصلت مكاسب كبيرة، تظن أميركا أنه يمكنها أن تحيّدها بتقديم تنازلات أكبر مقابل تعهدات أكثر، وهو ما جُرّب معها في إدارة أوباما ولم ينجح، والنتيجة أن مقاتلين من الموالين لها وصلوا بالفعل إلى أوكرانيا للقتال إلى جانب القوات الروسية!

وفي القائمة كثيرون تتاح لهم الفرص من الحرب في أوكرانيا، وفي الجزء الأخير من هذا المقال سنسلط الضوء على الفرص التي أتاحتها حرب أوكرانيا للعرب.