شعار قسم مدونات

خذوا الفتوى من أهلها فقط

مصر - القاهراة - 20 - 80 2015 جلسة منالمؤتمر عالمي بعنوان "الفتوى .. إشكاليات الواقع وآفاق المستقبل"
لدينا في بقاع العالم من هم أهل للفتوى ويمكن الوصول إليهم فالأمر يسير وليس متعذرا (الجزيرة)

حينما تشعر بألم في أسنانك، بالتأكيد لن تفكر إلا بالذهاب إلى طبيب الأسنان وتتحرى الطبيب الماهر لذلك، ويقينا لن تذهب إلى مهندس الزراعة ليعالج أسنانك؛ بل ستضحك وترتسم على ملامح وجهك علامات الاستغراب حيث سترفع جبينك إلى الأعلى، إذا أخبرتني بوجعك، وقلت لك: اذهب إلى المهندس الزراعي ليعالجك!

وبالمثل، حينما تريد أن تبني بيتا بالتأكيد ستذهب إلى مهندس ماهر له خبرة في الهندسة، وستختار المهندس المعماري، أي التخصص الدقيق، ولن تذهب إلى مهندس الحاسوب، وهذا أمر يراه الكثير طبيعيا وبديهيا ولا يحتاج إلى تفكير في الإجابة.

لكن إن أردتَ معرفة حكم شرعي في مسألة من المسائل الفقهية، سأجدك تسأل جارك الذي يعمل في البقالة، أو زميل عملك الذي يعمل في النجارة، أو أحد الأصدقاء حينما تجلس معه، وأنتما تشربان القهوة الساخنة.

والأمر لا يقتصر على ذلك فحسب؛ بل يأخذ الحكم الذي قال به صديقه ويتناقله ويردد: "أنا أعرف حكمه هكذا.. أو طوال عمري أفعل هكذا".

هذا التهاون من البعض يؤدي إلى هلاكه؛ ليس في الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضا

كثير ما أشعر من داخلي بغليان في دمي -غيرة على ديني- حينما تسأل امرأة عن فتوى، وفي الوقت ذاته تخبرني بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان، أحكام غريبة عجيبة، وبمجرد سؤالها "من قال لك هذا؟!" تكون الإجابة "فلانة".

وهذه الفلانة ليست متخصصة في الشريعة الإسلامية لا من قريب ولا من بعيد، أي أنها لم تدرس الفقه أو أصول الفقه، ولا حتى لديها علم في فقه الدلالات أو قواعد الفقه الكلية، ولم تسمع بالمُحكم أو المتشابه، ولم تقرأ صفحات الفقه للإمام الشافعي، ولا الإمام أبي حنيفة، ولا الإمام مالك، ولا الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنهم أجمعين- بل قد تكون لا تعلم من هم في الأساس.

وكثيرا ما يكن النساء في جلسة، وحينما تسأل إحداهن عن حكم مسألة، سرعان ما تسمع إجابات مُختلفة من الحضور؛ فالكل يجتهد باجتهاده الذي لا صحة له، وللأسف هناك من يعمل بها.

وبذلك قد يحرّم حلالا ويحلل حراما، وبالتالي ينشر الفساد بقوله وفعله، سواء كان ذلك بقصد أو من دون قصد، هذا التهاون من البعض سيؤدي إلى هلاكه؛ ليس في الدنيا فحسب، بل في الآخرة.

وللإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- كلام جميل في تلك المسألة، إذ يقول: "وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟

فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب -أي المفتي- أن يعد عدته، وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله -تعالى- ناصره وهاديه"

فالمفتي -إذن- موقع عن رب العالمين، وبالتالي لا يعقل لأي إنسان أن يتكلم في الأحكام الشرعية، فلا بد أن يكون مؤهلاً لذلك.

والحمد لله، يوجد الآن تيسير كبير في الوصول إلى المفتين من خلال الاتصال الهاتفي أو عبر وسائل الاتصال الحديثة أو الذهاب إليهم وغير ذلك.

ولابد من التذكير بأن الفتوى قد تختلف باختلاف الشخص وأحواله، أي أنه من الممكن أن يذهب شخص إلى المفتي ويسأله عن حكم مسألة، ويفتي له في الأمر، ثم يذهب شخص آخر للمفتي ذاته، ويخبره بالمسألة نفسها، لكن يأخذ حكما مختلفا؛ نظرا لأن هناك أحكاما تختلف باختلاف السائل وقصده ونيته وغير ذلك.

الحمد لله، لدينا في بقاع العالم من هم أهل للفتوى ويمكن الوصول إليهم؛ فالأمر يسير وليس متعذرا، فحينما يكون هناك سؤال يتعلق بمعرفة الحكم الشرعي، فكن كما قال الله -تعالى- في كتابه العزيز: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (النحل: 23).

ورحم الله قارئا دعا لي ولوالدي -رحمهما الله تعالى- بالعفو والمغفرة "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (يوسف: 21).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.