شعار قسم مدونات

الخط الثالث.. ثقافة حياة

كل الأطفال فلاسفة يتساءلون.. الطريق إلى الفضائل عبر بناء التفكير النقدي
خط يحمل شعار التغيير والإصلاح دون تعرٍّ من الهويات والثقافات والخروج عن المألوف (غيتي إيميجز)

عندما نزور أيَّ صديقٍ أو قريب، يقوم صاحب المنزل بالواجب، فيُكرم الضيوف عبر سؤالهم هل تشربون القهوة أو الشاي؟ بهذه الطريقة يكون قد وضع إستراتيجية حصر الخيارات بخيارين لا ثالث لهما، وهما إما الشاي وإما القهوة، لكن في الواقع يستطيع الضيف أن يكسر تلك الإستراتيجية عبر طرح خيارات أخرى، يستطيع أن يقول أريد أن أشرب ماء أو لا أريد أن أشرب، فبهذين الطرحين يكون استطاع ألا يكون أسيرا أو محصورا بخياراتٍ لا يريدها.

هذا المثال يجب ألا يقتصر على مشهد الضيافة فقط، إنما يجب أن تكون ثقافة حياتنا هي البحث عن الخيارات بديلة، ففي الحياة هناك دائمًا خيارات متعددة لا حصر لها يستطيع الإنسان أن يصنعها. ففي سوريا وأثناء الثورة السورية، قام النظام السوري بإستراتيجية حصر الخيارات بخيارين لا ثالث لهما: إما النظام وإما داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)، وداعش هو النموذج الإجرامي للثورة السورية، والذي جعل الدول الخارجية والإقليمية تعيد حساباتها في قضية دعمها للثورة السورية. وهكذا استطاع النظام السوري أن يشيطن الثورة عبر إلغاء كل الخيارات الأخرى. لكن في الحقيقة كانت هناك خيارات أخرى، وهي المعارضة السورية المناهضة للنظام ولداعش، من هذا المنطلق جاءت فكرة الخط الثالث.

  • قد يسأل القارئ: ماذا يعني الخط الثالث؟

في لبنان، وتحديدًا في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، نزلت الناس إلى الشوارع غاضبة من السلطة السياسية بكافة أركانها وأطيافها المتمثلة في حكومة الرئيس سعد الحريري، وبعد فترة بدأت تتشكل مجموعات ثورية من مختلف المشارب الفكرية، وشكلت تلك المجموعات حالة ثورية تحت مظلة المجتمع المدني، حالها شبيه بما حصل في العراق ومصر والسودان، فكانت تلك المجموعات بمعظمها لا تملك تاريخًا سياسيًا ولا خلفية فكرية، مما شكل عائقًا أمام توحيد الرؤية السياسية كي تواجه السلطة، ولكنها قامت بطرح شعاراتٍ مثل: الشذوذ والزواج المدني الإلزامي وغيرها من الشعارات التي لا تفيد الواقع الاقتصادي والسياسي المتشنج.

في هذه الحالة تقف الناس حائرة بين هذين الخيارين، الخط الأول وهو السلطة السياسية الحالية التي ثارت عليها ولا تريد أن تعود إليها بسبب الفساد، والخط الثاني هو المجتمع المدني الليبرالي والعلماني المتطرف وهو يتنافى مع القيم والأخلاقيات ولم يكون البديل الحقيقي، فما العمل؟ وقعت الناس أسيرة ثنائية الحلول، مثل المثال الذي ذكرناه عن القهوة والشاي، من هنا جاءت فكرة الخط الثالث، وهو خط وسطي يمثل المجتمع المدني المحافظ والوسطي. ولكن كيف هو ثقافة حياة؟

بكل بساطة، في حياتنا اليومية يوجد دائمًا خيار ثالث، وهذا ما يجب أن نعلمه لأولادنا ومجتمعنا كي يفكروا من خارج الصندوق ولا يقعوا أسرى لأفكارٍ وموروثاتٍ ثقافية نتوارثها عبر أجيال، هذا الخط هو خط يحمل شعار التغيير والإصلاح دون تعرٍّ من الهويات والثقافات والخروج عن المألوف.

أصبحت الدول العربية بمعظمها مجتمعات تعددية تعيش فيها مجتمعات ذات ثقافات مختلفة وديانات أيضًا، ونحن نعيش صراع هويات خصوصًا ضمن حرب العولمة الثقافية التي تتعرض لها مجتمعاتنا، إما من خلال المواقع التواصل أو الكتب والمناهج التربوية. ولكن لا يمكن أن نواجه العولمة عبر الانغلاق مثل كوريا الشمالية، والمواجهة تكون عبر التفاعل وتثبيت الهوية وزرع القيم والأخلاق، هذا الخط يهدف إلى تثبيت الهويات المختلفة وإبقاء خصوصياتها دون التعرض لها. ولأن تلك الاختلافات هي غنى ثقافي فإنها تؤدي إلى إنشاء حضارة إنسانية متعددة الأوجه، وخلق فضاء جديد ومساحة مشتركة تقوم على إنشاء هوية جديدة بين كل الأطراف الطائفية والإثنية، تقوم على عدة مرتكزات: القيم والثوابت والمصلحة والقانون.

الخط الثالث وزرع القيم والأخلاق

إن قمنا بالغوص قليلا في الأزمات غير المتناهية في بلادنا العربية والإسلامية، هل هي نتاج أزمات سياسية؟ كلا، رغم أن الأزمات السياسية عميقة وعقيمة؛ هل هي بسبب الأزمات الاقتصادية؟ كلا، لا شك أننا نعاني من أزمات اقتصادية ضخمة، ولكن لبّ المشكلة هو فقدان القيم الكونية والمحلية والأخلاقية، حيث أصبحت مجتمعاتنا تقوم على المصالح الشخصية البحتة. إن أي مشروع سياسي أو اقتصادي لا يقوم دون وجود قيم ومنظومة أخلاقية تقوم على تهذيب الطروحات والمشاريع، حتى عملية إطلاق العقل بشكله الكلي دون تلك القيم سوف تكون نتائجها خطيرة، وعلى رأسها ما حصل في هيروشيما وناغازاكي.

الخط الثالث وتثبت الهوية

تعاني مجتمعاتنا الشرق أوسطية من قضية صراع الهوية وتنوعها وتناقضها بعض الأحيان، فإن وظيفة الخط الثالث هي تثبيت الهوية الثقافية والمحافظة على التاريخ والتراث. يقول أمير البيان في كتابه "لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟" إن الألماني والياباني وغيرهم لم يتقدموا بتخليهم عن هويتهم وثقافتهم ولغتهم، على العكس فلقد تمسكوا بلغتهم وتطوروا بالعلوم المادية والتكنولوجية، وهذا تماما ما عبّر عنه أيضا علي عزت بيغوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب".

لا تعني الحداثة أنه يجب علينا أن ننقض التاريخ وننسف الهويات. مجتمعاتنا متعطشة للتغيير والإصلاح على المستوى السياسي وتدمير الموروثات الثقافية المتجذرة في مجتمعاتنا، ولكن مجتمعاتنا بطبيعتها محافظة، وقد ظهر هذا من خلال التقارير الأميركية والغربية التي تفيد بهذا الشيء، وهذا هو جوهر الخط الثالث. لا يمكن أن نلقي اللوم على العولمة ونحن نحاول كل يوم أن نتعرى من هويتنا ومن تراثنا، لا يمكن لأي أمة أن تنهض وهي لا تملك اللغة وتتمسك بها وتحارب بها في كافة المجالات، لا يمكن لأمة أن تنهض من جديد وهي لا تملك مقومات القيم والأخلاقيات التي هي لب وروح النهضة الإنسانية.

ولكن في الوقت ذاته، يطرح الخط الثالث هوية بنيوية مجتمعية تحافظ على خصوصية كل المكونات الطائفية وتخلق مساحة جديدة وتشكل الهوية الجديدة التي تقوم على 4 مرتكزات أساسية: القيم والثوابت وهي كثيرة بين المسلمين والمسيحيين، والمصلحة التي هي عنصرٌ مادي يقوم على مصلحة الجميع في العيش مع بعضهم بعضا تحت سقف القانون لا التعايش وكأنه مرض، والقانون الذي يحمي تلك المرتكزات الثلاث.

الخط الثالث ولغة التفاعل

لماذا نتصادم مع الغرب ولا نتفاعل معه؟ لماذا هذه النمطية الفكرية القديمة التي تؤكد على ضرورة التصادم بين الشرق والغرب، في الوقت الذي نستطيع فيه أن نحوّل ذلك النزاع الفطري إلى تفاعلٍ بشري وإنساني إيجابي دون الاقتتال؟ فكرة التفاعل أيضًا ذكرها إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق"، فنحن نريد أن نتفاعل مع الغرب، بمعنى أن نأخذ ما نريده من منتجات تفيد مجتمعاتنا ودولنا ونرد المنتجات المؤذية، فإن التفاعل بين الحضارة الفينيقية واليونانية ولد الحضارة الهيلينية، وغيرها من أمثلة، كذلك الحال بالنسبة للسلطة والمجتمع المدني الليبرالي، لا يمكن أن نعاديهم بشكلٍ مطلق، بالمطلق ليس هناك شيء بالمطلق، لا بد من التفاعل مع السلطة بما يحقق مصلحة المجتمع والمواطن، وأن نتفاعل مع المجتمع المدني الليبرالي بما يحقق أيضًا مصلحة المواطن والمجتمع، بتلك الطريقة يكون الخط الثالث هو خط تفاعلي غير تصادمي، ولكنه لا يتفاعل مع القضايا الجوهرية التي تمس الإنسان وقيمه والثوابت الأساسية التي يقوم عليها المجتمع المدني المحافظ.

إن هذا المشروع هو مشروعٌ فكري يهدف إلى إنشاء دولة العقل، وهي الدولة الأمثل لمجتمعاتٍ تعددية من حيث الهويات الثقافية والطائفية، مع الحفاظ على خصوصية الجميع والحفاظ على جوامعهم وكنائسهم ومعتقداتهم وشعائرهم ومحاكمهم وأحوالهم الشخصية، ولكنه يطرح ثقافة جديدة تؤسس لمساحةٍ توافقية جامعة وواسعة تهدف إلى خلق هوية بنيوية من الصعب تفكيكها.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.