شعار قسم مدونات

جلد الذات.. لذة ألم أم حرب نفسية لا حصر لها؟

تأديب المرء لنفسه وجعلها تعاني من اللوم والألم هو أمر قاس ولكنه طريق مختلف للتحفيز (بيكسلز)

كثيرا ما يدور في خلد العديد من الأشخاص أمر جلد النفس وتحميلها ما لا طاقة لها به؛ وذلك بسبب سلوكيات قامت بها أو ظروف تعايشت معها أدت في نهاية المطاف إلى معاقبتها وجعلها تعاني بلا هوادة، ظنا منهم أن هذه الوسيلة القاسية هي الأنجح في تقويم السلوك وضبطه نحو الطريق السوي.

لكن، هل مجاراة الذات وإخراج ما في جعبتها بهذا الشكل المؤلم أمر يستشعره البعض كاللذة أم أنها اندلاع حرب نفسية كامنة لا رادع لها؟

بالتأكيد إنه أمر جلي أن يلوم المرء ذاته على ذنوب أو أخطاء اقترفتها، ومساءلتها عن مواقف محرجة أو علاقات فاشلة خلقت جوا من اللوم النفسي على ما بدر منها، مؤدية إلى خوضها تجارب سليطة مع أُناس دفعتهم إلى الوقوع في جحيم التفكير المفرط والضياع في دوامة الصراع الداخلي وتأنيب الضمير المزمن. لا جرم أن الإفراط في هذه الحرب ما هو إلا سبيل للشعور بالدونية والعجز وبالتالي الوصول إلى قلة الحيلة والمساءلة الدورية للذات.

على صعيد آخر، يرى البعض أن تأديب المرء لنفسه بنفسه وجعلها تعاني من اللوم والألم هو أمر قاس، ولكنه طريق مختلف للتحفيز بأسلوب راق في الوقت عينه، إذ يدفعه ذلك إلى تقويم شخصيته وتوجيه سلوكياته بشكل قويم، لصقلها وجعلها أكثر إدراكا لما يجري، بالرغم من أن هذا التصرف يتطلب أن يبذل الجهود القصوى والتمتع بقدر كبير من القوة الشخصية لضبط النفس، ولكن قد يستوجب عليه الاستعانة بأساليب نفسية عنيفة ترهق الذات وتجعلها تعاني بلا رحمة، مؤدية إلى اتخاذ قرارات خاطئة ناشئة عن حوارات داخلية في لحظات الانغماس والتفرد مع الذات.

إذن، كيف نتجنب جلد الأنا ونسعى لمنح أنفسنا الفرص التي تستحقها من التسامح الداخلي؟

علينا في البداية ألا نتغاضى عن فكرة أننا بشر وجميعنا غير معصومين عن الخطأ والوقوع في شباكه، لكن لوم النفس وتأنيبها ليس الحل الأمثل لمجاراة ما يقترفه المرء من سلوكيات، بل عليه أن يبني ثقته بنفسه فهي اللبنة الأساسية التي تلعب دورا مهما في التقليل من جلد الذات، بل وتدعمه معنويا وتجعله قادرا على التأقلم داخل المجتمع، وبذلك يصبح قادرا على ردع مخاوفه وتقويم أخطائه من دون التحقير من نفسه بل المضي نحو حب الذات واحترامها وتقديرها.

مما لا شك فيه، فإن الاعتناء بالنفس والتفكير بشكل إيجابي عند الخوض في الأمور وتجاوز المواقف السلبية بسرعة وفعالية؛ أمور لها تأثير بارز على شخصية الفرد؛ حيث تعمل على تغيير مجرى تفكيره وتعطيه فرصة جديدة للحياة عن طريق حب الذات وتقديرها وصد الحوارات الداخلية السلبية التي تثبط العزيمة وتتعب الكاهل.

وفي الختام، تذكر أنه لا يمكنك بدء صفحة جديدة وأنت منشغل في ترديد أحداث الماضي والتأنيب على ما جرى، فلن تستطيع تغيير ما حدث، لذلك فالشيء الوحيد الذي يمكنك القيام به في هذه المرحلة هو المضي قدما وعيش الحياة بحلوها ومرها، قال الشافعي:

ولا حزن يدوم ولا سرور .. ولا بؤس عليك ولا رخاءُ

إذا ما كنت ذا قلب قنوع .. فأنت ومالك الدنيا سواءُ

إضافة إلى ذلك، فإن إحاطة نفسك بالأشخاص الإيجابيين يلعب دورا مهما في إسعادك وتقويم تفكيرك، فمن يحبك يدعمك في كل سبل نجاحك، وهذا يشكل خطوة أساسية في التخلص من جلد الذات ونقص تقدير النفس.