ما بعد الحرب

أجواء ملتهبة حولهم.. كيف يستعد الأوكرانيون لحرب محتملة مع روسيا؟ أوكرانيا - كييف - تدريبات عسكرية أبطالها مدنيون تطوعوا للدفاع عن كييف عند اشتعال حرب محتملة مع روسيا - مواقع التواصل
الأوطان بكل ما فيها ثمن باهظ لنزوة أولئك اللئام الذين أظهروا بطولاتهم المخزية في حياة البسطاء وآلامهم (مواقع التواصل الاجتماعي)

من عزاءات الفلسفة فكرة الـ "ما بعد" والتي تعني ببساطة خضوع الأشياء لقوانين الصيرورة والتحويل، فوجود الحياة مثلا يثبت بالضرورة أن هناك ما بعد الحياة، وهي فكرة لا تعني نقيض وجود الشيء، بل سياقا حتميا وحالة تطورية ثابتة في الموجودات، فالظلم والطغيان والألم وكل الحقائق ذات الوجود القاسي، لا شك أن لضرورة وجودها شكلا "مابعديا" يعزي البشر إن كان واقعهم قاسيا أو قد ينذر بتحولات بائسة لحياتهم الهانئة.

لماذا الحرب؟

يبدو أن هذا الاستفهام الوجودي الغبي قد خلق عاريا عن أي إجابة منطقية أو عقلية تشبع رغبة المعرفة عند البشر حول هذه الجوانب الأكثر ظلمة في تاريخ الإنسانية وحياتها وطبائعها؛ فهي امتداد تاريخي للشر وإرث قديم وربما أصدق البراهين الطبيعية التي تدحض ما تبقى من شك في أن لهذا الإنسان جذرا وحشيا يتنفسه الآن على هيئة صراع دموي، منفصلا عن شكله الإنساني القويم، متخليا -في الوقت نفسه- عن أجل ميزاته الاستثنائية وأعظم مظاهر التكريم الإلهي له عن سائر الحيوات.

وإذا ما استسلمنا لفكرة أن الحروب قدر أو واقع لا مفر منه وسألنا عبثا ماذا بعد الحرب؟ ماذا بعد مشاهد القيامة هذه والمسار المأساوي والجحيم الذي تساق إليه البشرية قسرا كل يوم؟ ماذا بعد أن تصير الأوطان رمادا والمدن أطلالا والحياة بكلها ثكنة عسكرية عفنة؟ ماذا بعد انتصار نشوة الموت على الحياة؟

وهذا الخراب الكبير الذي تركوه دليلا على مرور الشيطان هناك؟ ماذا بعد صور النزوح المؤلمة هذه وإفراغ الأوطان من أهلها ليعيشوا حياة الضياع والتشرد والهوان؟

لنقل إن الحروب الاقتصادية آتت أكلها فجاع البشر وحصد البؤس أرواح الكثيرين، لنقل أيضا أن الحرب النووية التي يذعرون بها الشعوب قد حدثت، ماذا بعد ذلك؟ تستطيع عقول آلهة الحرب تخيل مصير الحياة بعد شررها، وما من شك أنها تعلم ذلك جيدا لكنها تستمر في إضرامها دون اكتراث؛ لأنها -ببساطة- لن تخسر أو تعتقد أنها لن تخسر شيئا؛ فضحايا الحرب وآثارها الكارثية على الأوطان والإنسان لا تشكل لها أي رادع أو قلق؛ إذ ليس لأولئك الهمجيين أي ضمير أخلاقي أو إنساني يحول دون أخطائهم.

لا أهمية لدى أرباب السياسة الدموية لما سيكتبه الواقع عن طبيعتهم المنحرفة أو ما سيرويه التاريخ للأجيال عن صفحاتهم السوداء؛ لذا تراهم بكل صفاقة ورعونة يستلذون واقع البشر الأليم جراء مغامراتهم الرخيصة على رفات الإنسان وأحزانه وقلقه، وآخر ما يفكرون فيه هو الإنسان والوطن والحياة واحتواء الأزمات بدلا من صناعتها وابتكارها كل يوم.

إن الحروب التي يبدع الإنسان من حين لآخر في تشييئها وتطويرها وتحسين أدائها ونفخ شرارتها بما يضمن هلاك أكبر قدر من البشر فيها، هي أيضا وجود له ما بعد فإنها- حين يتعلق الأمر بعامة الناس- لا تفكر أن تبقي لهم شيئا غير الضياع أو الذكريات الأليمة إذ تمتد فصولها في حلول أبدي أو يكاد يكون كذلك إنها الحرب، واحدة من أفحش خطايا البشر، غيوم داكنة تلقي بظلالها وصقيعها وتعاستها على البؤساء فحسب وكأن قدرهم أن يعيشوا ضحاياها أو أسراها إن هان الأمر قليلا.

لكن ما بعدها لن يكون سهلا أو حالة يمكن تجاوزها بقدر ما تتركه من آثار اجتماعية ونفسية ومآس إنسانية على شعب دون آخر، ما بعد الحرب هو الحقيقة المرة التي تدفعها الأوطان بكل ما فيها ثمنا باهظا لنزوة أولئك اللئام الذين أظهروا بطولاتهم المخزية في حياة البسطاء وآلامهم وأحلامهم واستنفدوا كل طاقاتهم في تعكير صفو الحياة وإذلال الشعوب وتحويل واقعهم إلى جحيم، لكن يبقى عزاء الشعوب أن لكل جلاد جلادا ونهاية غير محمودة.

قد لا تكون هناك جريمة أبشع من جريمة الاقتتال والصراع والحروب الأهلية والعالمية؛ كونها ليست أكثر من تصرفات لا أخلاقية ولا شرعية من حيث المبدأ، إلا أن الجريمة الأبشع تتمثل في شرعنتها وتبريرها وفرضها واقعا لا بد منه، تحت شعارات وذرائع ليس أقلها قذارة ما يسوق للأغبياء على أنها قدر احتدام بين الحق والباطل أو بين الله والشيطان إن صح التعبير طمعا في حشد أكبر قدر من المغفلين والحمقى الذين يثير ولعهم ونشوتهم هذا النوع من اللافتات والشعارات المزيفة.

إن ما بعد الحرب حرفيا ليس سلاما وهميا أو أحلاما وردية كما يصورونها للحمقى، بل حياة مشلولة وموتا هنا وهناك وسلاما هشا ورغبة انتقام لا تنتهي؛ فللإنسان طبيعة حقد غريبة.

ما بعد الحرب هو هذه الأوطان المدمرة كليا والشعوب المكتظة باليأس والإحباط والمعاناة وخيبة الأمل من أي قادم يحترم رغبتها في الحياة، أما أمراؤها وتجارها فهم في معزل عن آثارها المأساوية إذ ينتهي بهم المطاف إما في ملكوتهم منعمين أو فارين أو لاجئين، ولهم ميزات خاصة بعد أن يتركوا الأوطان والإنسان لمصيرهم الأليم.

إن الواقع المأساوي لحروب لا تقتل البشر بقدر ما تقتل فيهم كل المشاعر الإنسانية وروح الانتماء للآخر والرغبة في السلام على أن جانبها الأسوأ أنها تجرد البشر من أخلاقهم ومثلهم وتنسيهم أنهم ذوو طبيعة إنسانية من شأنها الحب والإخاء والرحمة والفضيلة، لهذا من الطبيعي أن ترى حجم هذا التحول الفظيع في حياتهن لدرجة أنهم صاروا مجرد وحوش برية لا يعيش فيها المرء لأكثر من فكرة العيش.

وقديما حذر الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى من وبال الحروب وبشاعتها قائلا:

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ .. وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً .. وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ

فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها .. وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم .. كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ