ضعفك القوي

على الإنسان أن يفر الى مواجهة ضعفه الذي لو تأمل أسراره لرأى جوانبه الجميلة (مواقع التواصل)

مهما خرجنا للعالم بشكل متماسك، نعمل ويقود بعضنا الإنجازات، ونبني جميعا الحضارات، إلا أننا في لحظة ما تسرقنا نفوسنا نحو الداخل؛ فنضعف أمام أسهل الأسئلة، ونتوه في أقرب منعطف، ونضيع أمام بعض الكلمات التي تحفر فينا، وتُشعل في أعماقنا لهيب الحيرة، وتوقظ في ذاكرتنا لظى الذكريات، وتُحيي في قلوبنا تساؤلات الزمن، وتُسلط الضوء على مناطقنا المظلمة، وتجعلنا نقف على بوابة المواجهة مع مرايانا بكل انكساراتها.

في مثل هذه اللحظات يتجلى ضعفنا، وتظهر حساسيتنا، لتتحوّل جميع بقاع أجسادنا إلى مناطق حساسة نخشى عليها أو نخشى منها، لا يهم، المهم أننا وصلنا إلى المفتاح، وانطلقنا نُسلط شمس الوعي على ضعفنا القوي؛ نتحسس مكامنه المُرهقة، ونتلمس زواياه المُرهفة، ونخرج من ثياب مثاليتنا لنلبس ثياب الحقيقة، سواء كانت لنا أو علينا!

وكلما تجلى ضعفنا أكثر أصبحنا نخاف من أشياء نعرفها ولا نعرفها، نخشى ما نستوعبه، وما لا نفهمه، ونخاف أن تسرقنا الأيام، وتذهب بنا اللحظات نحو أماكن في ذواتنا لم ترها شمس الحقيقة بعد، وحينها نكون قد وصلنا إلى باب الحزن المتأمل النبيل.

ويظهر ضعفنا في العديد من صور الحياة، فنسمعه في موسيقى توقف الزمن وتجعل عجلته تدور باتجاه الماضي، ونراه في عيون الحبيبين، وفي هذا قالوا "يا من أحب، لا تُصدق إذا رأيتني مُتماسكا بحضرتك!" ونلمحه في شخص يُداري دمعة أسقطتها ذكرى قديمة يخاف منها، أو في مستقبل يقلق منه، ونشاهده في ملامح شخص كُسرت مجاديفه وحُطمت آماله.

ويتواصل أداء الضعف القوي مُتجليا على مسرح الحياة؛ فنسمعه أيضا في صوت البوح المُرتجف الملبد بحشرجة الدموع الساخنة، ونشمه في بعض العطور الأخاذة التي تضوع وحيدة في الزوايا الصامتة، ونتأمله في تلقائية بعض الصور القديمة، ويُحكى لنا في بعض السرديات المُرهِقة التي وقف أصحابها عند نهاية الحِيلة وهم يضربون جدرانهم وجباههم! وغيرها من المواقف الكثيرة التي قد تجعلنا نحاول الاختفاء سريعًا من زحمة الوجوه الذين يقتلنا تحديقهم، وترهقنا تساؤلاتهم المتطفلة عن ذكريات الفشل ولحظات العجز.

ولأن الحياة لا تبقى على حال واحدة نجدنا -ولو وهلة- قد نفضنا غُبار الكسل، وتخلصنا من إعياء الفشل وأعباء تبعاته المُخيفة، وغيّرنا إعدادات حياتنا من الخمول إلى النشاط، ومن الاستسلام والتشاؤم الى إحياء إرادة التفاؤل والأمل التي نستجمع فيها قُوانا، ونُلملم أوراقنا، ونُحجم بعثرتنا، وننطلق بثبات نحو الغد المشرق.

فمن ضعفنا نستلهم القوة، ومن خلال جروحه يبث الله سبحانه وتعالى في أعماقنا أنواره التي تبث فينا نار الطاقة. فكل تقلبات حياتنا هي دفع وقوة لنا، فيمكننا أن نأخذ من بسمة اليوم طاقة لحُزن الغد، ومتاح لنا أن نستمد من تعب اليوم راحة الغد؛ فتقلبات الأحوال تجعلنا نشعر بلذائذ الحياة المختلفة، فلا شيء يبقى على حاله ما دامت عجلة الحياة تدور، "ولا يأتي شيء مرة واحدة سوى الموت"، كما تقول أمي حفظها الله.

وعلى الإنسان أن يفر إلى مواجهة ضعفه الذي لو تأمل أسراره لرأى جوانبه الجميلة؛ ففيه يُحقق الإنسان أعمق أشكال إنسانيته التي قال عنها الله سبحانه وتعالى في سورة النساء (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) (28). وكلما واجه ذاته بكل شفافية استطاع التعرف على ضعفه القوي.