المراسل الحربي وتحديات الرسالة الميدانية

A warehouse with household goods is seen on fire after shelling in Sumy
سلامة المراسل الصحفي أولوية أهم من كل سبق وحدث (رويترز)

لا يختلف اثنان على حجم التحدي والمخاطرة التي يخوضها المراسلون خلال الحرب وفي مناطق النزاع، تتجاوز معها الرسالة الصحفية توصيفها التقليدي بأنها مهنة المتاعب، إلى كونها "مهنة التهلكة"، ذلك أن الصحفي لا يغدو حينها حاملا كاميرته فحسب، بل حاملا روحه على كفه ويمكن أن يتحول هو إلى خبر، وهو ما حدث لصحفيين كثر، دفعوا أرواحهم في ميادين عملهم الصحفي.

بيد أن هذا التحدي الصعب ومجهول العواقب شابته مؤخرا تعليقات وملاحظات عدة، جلها على منصات التواصل، تكررت هذه التعليقات مع تكرار النزاعات والحروب، وما أكثرها، ولعل آخرها الآن الحرب الروسية على أوكرانيا؛ فحوى هذه التعليقات -حسب ما ذهب إليه بعض المغردين- هو التشكيك في هذه المخاطرة وحدودها، أو بعبارة أخرى، حجم الخطر الذي ينقله هذا المراسل أو ذاك، وأوغل بعض هؤلاء المعلقين في اتهام صحفي -مثلا- بتصنُعه لرسم الخطر المحدق والداهم حوله، أو انسحابه من مكان النقل المباشر لوجود تهديد على سلامته، في حين يعبر المارة خلفه بطمأنينة. ولئن استحق مثل هذا الأمر التقصي إلا أن للميدان ظروفه؛ وليس من سمع كمن رأى، كما يقال، مع أن المشاهد يرى في هذه الحالة أيضا، وإن كانت الصورة غير كاملة ربما.

ولعل هذه التعليقات، وإن بدت مجحفة بحق الصحفي الواقف على خطوط النار، إلا أنها تعزز التساؤل بشأن إذا ما كان يمكن أن يتسلل حب النجومية وجنون السبق إلى الصحفي، بأن يحاول أحدهم إضافة رتوش للإيهام بالجحيم المحيط به باعتباره وسط جبهة القتال، والصحفي بشر في الأخير، يصيب ويخطئ!

ولعل هذا يلقي على عاتق إدارات الأخبار ومشرفيها عبئا آخر، إلى جانب المسؤولية في كون سلامة المراسل الصحفي أولوية أهم من كل سبق وحدث، وتقع هذه المسؤولية المضافة في صلب المهنية والموضوعية، بمتابعة صحفييها وتقييم أدائهم، تجنبا للخلط بين الواقع كما هو وبين التهويل اللحظي لدواع متوقعة في رصيد حساب الشجاعة الصحفية.

وبقدر ما تبدو ملاحظات رواد منصات التواصل قاسية أحيانا تجاه صحفي ما، غير أنها قد تكون مؤيدة له ومشيدة به وهي حالات كثيرة، ولا أظن مؤسسة ما يمكنها إغفال آراء الناس بوصفهم مشاهدين، على الأقل، ذلك أن هذا المشاهد هو المشتري، لما "تبيعه" المؤسسات الصحفية وتسعى للاستحواذ عليه.

فضلا عن أن المشاهد اليوم بات أكثر إدراكا، إن لم يكن مشاركا في صنع محتوى الأخبار وإعلاء شأن مواضيع منها، أو تجاهل أخرى، ويدرك خلفيات عديد الملفات والأخبار، وسط فضاء مفتوح يعج بكثافة المعطيات الرقمية. ومن لا يتذكر كيف يتفاعل ويتعاطف المشاهد العربي، بل ويتماهى مع مَشاهد عديدة، لا سيما الإنسانية منها كما هو حال القصص الرائجة على هامش الحروب والنزاعات، منها مثلا، العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وتلك الصور التي ظلت ماثلة أمام عينيه، ليس فقط لمشاهد القتل أو الدم، بل حتى للدمار وما خلدّته عبارة "انهار البرج.. انهار البرج" التي رددها مراسل الجزيرة في أثناء استهداف الاحتلال بناية برج الجلاء الذي يضم مكتب شبكة الجزيرة ومؤسسات إعلامية أخرى، وهو ما يضاعف أهمية الرسالة الصحفية وقدرة المشاهد (العادي) على معرفة جل مضامينها، وصولا إلى تقييمه هذا المراسل أو ذاك، أو هذه المؤسسة أو تلك.

مع التقدير -ختاما- لكل صحفي جسور، يخوض الصعاب بتجرد ومهنية، وينطلق برصانة وأمانة مهنية، ويتعامل بحصافة وكياسة خلال تغطيته ولقاءاته الصحفية ومع مختلف عناصر وأطراف مادته الخبرية، معتمدا في نجاحه على المصداقية والموضوعية، اللتين عبرهما يستطيع إيصال المادة الخبرية بصيغة يمكن الوثوق بصحتها وتصديقها، بعيدا عن الإثارة الزائفة، ولا يرى في نفسه حجة في شؤون الحدث أو بمكانه أو أطرافه، انطلاقا من رؤيته بأن الصحافة رسالة مقدسة، كروحه التي يجب أن يحافظ عليها، لأنها أهم من كل حدث!