ربيع سوريا الضائع

الثورة السورية في ذكراها الحادية عشرة.. أفلام الحنين والمنفى الجزيرة الوثائقية
الثورة السورية في ذكراها الحادية عشرة (الجزيرة)

إنها مزنة ربيع تمطر بشكل جميل والسماء صافية يشع لونها الأزرق، وعلى قبره وردة حمراء وطفلة تمرح وتحكي لأمها "متى نعود للمنزل يا أمي؟"

تلملم الأم نفسها بهدوء مضطرب يصاحبه يأس مضمور، وضحكة كاذبة على وجهها وتقول لابنتها "قولي وداعا لأبيكِ".

هنا يرقد أبوها منذ سنوات، لم تحظ ابنته برؤيته، من حسن حظها ربما أنها لا تدرك ما حدث ولم تتعلق بأبيها فهي لم تره أساسا.

مطر منقطع وسماء تصفو، ثم تتلبد بالغيوم، وأصوات قادمة من كل مكان.

على عمق أمتار تحت الأرض حيث توجد المياه الجوفية، في سوريا توجد أيضا السجون الجوفية، ظلام مطبق وباب الزنزانة ينطلق صداه ليبلغ مداه وسجان تتلطخ بالدماء يداه.

ومن الجوف إلى سطح الأرض لعبة متروكة على بعد مترين لطفل كبر على حين غفلة من الزمن ليصبح شاباً، وما زال ينتظر عودة أبيه المنسي في سجن جوفي بعيداً عن الهواء والضوء، مثل كثير من الآباء والأبناء وكثير من الأطفال الذين دخلوا سن البلوغ في هذه الحدود البيتونية الضيقة المسماة بسجن الأراضي.

يعود الصوت يعلو من بقاع متعددة متفرقة، يتخافت يعلو فيعم صمت مطبق فيعلو من جديد.

ليعود المطر يتساقط، إنه 15 مارس/آذار، آذار الربيع أو ربما آذار الأمهات أو آذار المرأة، هو أيضا آذار لسوريا لما قبل الثورة وسوريا ما بعد الثورة، في 15 آذار لعام 2011 اندلعت الصرخة من إحدى أحياء الحميدية في دمشق، تحديدا من الحريقة نادت بربيع جديد لسوريا التي كانت تحيا خريفا متتابعا لم تحيا غيره فصلاً.

اندلعت الصرخة بهتافات "حرامية" و"الشعب السوري ما بينذل"، الصرخات كانت رهيبة غريبة مرعبة أثارت الدهشة وتسارع في ضربات القلوب، إنه من أصعب الأشياء أن تسكت صوتاً دام صمته سنوات، فالغرابة تجوب العقول بين كسر حاجز الصمت وبين الفشل من انتزاع ومصادرة الأفكار من العقول، يفشل الاستبداد في كل مرة أمام المتنورين والمتحررين ويجمد جاهلا أمام صوت الحرية ،فالاستبداد فكرة قابلة للنسف إذا ما قوبلت بفكرة التحرر والإرادة، وهذا ما أثار الرعب في قلوب المستبدين.

لحظة واحدة انقطع المطر وإذا به يزداد، يعلو الصوت "سورية بدا حرية".

أرادت الحناجر أن تفصح عن رغبتها بالتنفس وقول ما تريد، وقول ما يجوب بالعقول وما تلتمسه القلوب، ألم يأن لهذا الشبح أن يغيب، أما كان لهذا الكم الهائل من البشر الحق في أن يقرروا ما يريدون بذواتهم وأدواتهم، أليسوا بالقرن الـ21؟

"سورية بدا حرية"

هذا ما أرادوه وهذا ما كتبته أيادي الصغار في درعا، فقوبل وجوبه بوحشية مستبدة، دبابات وطائرات وجيش باسل بعدة وعتاد انتشر ليحافظ على أمن الوطن وسيادته، بقتل واعتقالات وخطف ورصاص خانق، وكقنبلة موقوتة وكما تنتشر النار بكوم القش انتشرت المظاهرات المطالبة بالحرية في جميع أنحاء البلاد، وكأنها اللحظة المنتظرة واليوم الموعود، وليست مزنة ربيعية إنها أمطار وسيول جارفة انتشرت وسرت تريد أن ترى ربيع البلاد من جديد، المطر يتساقط ومضى على هذه الأحداث أعواما وأعوام.

الأم تعود ولا تزال بطريقها إلى بيتها الذي يفتقد لعناصر الحياة، والذي سُرِقت معظم مقتنياته، فأثناء موجة النزوح تم تمشيط بيوت المدينة.

وهذا حالهم وحال معظم المنازل، هذا وإن بقيت منازل أساسا، فالمنازل التي بقيت شهدت أعواما من القتل والقصف، و"التعفيش" مما يعني سرقة أغراض البيوت.

مر من هنا الكثير وأصناف من المقاتلين.

نعم العام الـ11 والذكرى الـ11 تحمل سلال ديمستورا وأستانة وجنيف، وداعش والجيش الحر وجبهة النصرة وروسيا وإيران وحزب الله وفاطميون وصور بوتين وصور خامنئي وقسد، ومخيمات ومشردين ونزوح داخلي وخارجي وتهريب عبر الحدود وهجرة إلى أوروبا وتسلل إلى تركيا، وحكومة ائتلاف ولجنة دستورية وقيصر وعقوباته، ومغيبين وشهداء كثر وبحر دماء ودموع وهوية ضائعة وحصار خانق وسارين قاتل ورصاص متناثر واقتصاد مترنح وإقصاء وتعليم متراجع، وفيتو ومجلس أمن وسيادة "سيادة دولة مخترقة بالطائرات الإسرائيلية مرارا وتكرارا".

إنه العام الـ11 يتزامن مع مزنة الربيع الضائع، فلا هو أتى ولا المزنة انتهت.

لكن الربيع موسم التغيير قادم لا محالة.