شعار قسم مدونات

يا صاحبي

واعلم يا صاحبي أن طول الصمت دواء وأن كثرة التفكر فيه الشفاء (بيكسابي)

يا صاحبي.. هل أتاك نبأ أحدهم؟ رجفة قلبه ظاهرة في صوته وعيناه فاضحة ما في داخله، رغبا ورهبا، تتأرجح العاطفة ذهابا وإيابا بقدر شفافية النفس، هي إذن خواطر تطفو وعبرات تمر ولا يبقى منها إلا ما يريده القلب فقط.

يا صاحبي.. في الإنسان صبغة الله العلوية وروحه القدسية. تتفاوت الدرجات في الدارين بتفاوت فهم تلك الحقيقة وتصديقها بالعمل كونها مناط الأمر كله، فنفخ الروح والتهيئة مناط الاصطفاء وآية العالمين.

يا صاحبي.. الوقت يكشف الحقائق وهو قرين التوفيق، والنفس رهينة التصور ودواؤها معاينة الحقيقة. واعلم أيضا أن القلب محط النظر وأنه وعاء النفس أيضا وبه يُستدل على الطريق، فاستفت قلبك إذن بعد إذ تكشفت لك حجب الحقيقة، أمكملٌ أنت ما بدأته أم تراك خوارا لا تقوى على ترك ما تحب وإن طال بك الزمن.

واعلم يا صاحبي أن طول الصمت دواء وأن كثرة التفكر فيه الشفاء، وأن آفة قومنا كثرة كلامهم وقلة أفعالهم، وأن العقل مصنع المعرفة وأنه لابد له من صيانة تبقيه على رونقه، فيستقبل الجديد النافع ويطرد الغث الضار.

واعلم أيضا أن زماننا زمان فتن يكثر فيه خوض الخائضين دون بينة ولا سابقة علم ولا معرفة، وأنه أيضا زمان تسيد الرويبضة التافهين، فلذلك وجب إقلال الكلام وإكثار التدبر، صيانة للعقل وحفظا للروح.

يا صاحبي.. لا الحزن يغير واقعا ولا الفرح، فتول أمرك بالتوكل وأعرض عن الجاهلين. وابذل من نفسك لمن حولك دون تبسط، ودع منها جزءا لك تأوي له كل حين، واجعل حبك هونا ما وبغضك هونا ما، واجعل عطاءك من رفعة قلبك لا من دنية شيطانك. واعلم أنه ليس أصدق للمرء من نفسه وأن الرزق كله في الرشد، وأن عاقبة الأمر كله في التوكل واليقين، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى.

يا صاحبي.. اجعل بسمتك انعكاس باطنك، وطهر قلبك من كل حقد يستنير وجهك، وأخبر ربك بما تحب وقتما تحب كيفما تحب، فليس بينك وبينه حاجب، ولا تجعل سعيك لغايتك يلهيك عن تمتعك بزينة الدنيا، فهي زاد الطريق ورفيق الرحلة ومثال الصالحين السابقين.

عن الحب

الحب يا صاحبي بؤس.. جله أو كثيره على الحقيقة، لا خير يرتجى منه إن كان أحد طرفيه زاهدا فيه غير مقبل عليه، والحب أيضا نار تكوي وألم يقطع ما لم يتب صاحبه عنه ويخلع رداءه لغير رجعة، فكثير الحب الآن ليس انعكاس الحقيقة الماثلة في النفوس، ولا هو أيضا سبيل مكنونها، فهو والخيال سواء وليس فيه غير رسم الحرف دون لب المعنى والله أعلم.

  • يا صاحبي.. الحب نوعان:

أولهما ما فطر الله القلب عليه من حب الوالد والولد، وذاك نوع لا جدال فيه ولا كلام.

يظل المرء مالكا قلبه حتى يرزق الولد، فيصير قلبه في كف ولده يتصرف به كيفما يشاء، وتزول حواجز الزمن حتى يصير القلبان قلبا واحدا بعمرين مختلفين وجسدين مختلفين.

وثانيهما حب الجديد الطارئ المكتسب بغتة على غفلة من قلبك وعقلك، وهذا كثيرٌ ذهابه، قليلٌ بقاؤه، لا يفلح فيه إلا القليل، فهو حب طارئٌ قدومه، طارئٌ رحيله، ولا ينفع حينها مذهب القلب في تداركه مالم يغثه العقل بقليل من الحكمة والصبر، فالسعيد من تقبل ثانيهما بعقله وقلبه معا، والشقي من اتعظ بقلبه فقط فما نال غير التمني والأحلام والله أعلم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.