شعار قسم مدونات

فرائس التفكير وعرائس التعبير

تصميم اللغة العربية
الأدب لا ينحصر في موضوع خاص بل يشمل جميع الموضوعات إذا كتبها الكاتب في أسلوب أدبي (الجزيرة)

قبل أسبوع حدث شجار حديثي، وتراشق بالأدلة من جانبين، وأطال كل واحد نفسه في هذا الموضوع: في الأدب نعطي الأهمية الكبرى للفظ أم للمعنى؟

في رأيي كان حسنا أن نطرح هذه الأسئلة: ما معيار العظمة ومسبار البلاغة في الأدب العالمي؟ ما المقتضيات اللازمة للأدب العالي؟ هل يخلق الأدب الكبير من إسناد القاموس وجعبة التعابير وكيس الصور أم هناك حاجة إلى المعنى البكر والفكر الغني النادر؟

الجواب الحاسم في هذه القضية: أن الأدب الرقيع يصنع من وشي الحواشي وزخرفة التعابير وزركشة الأسلوب، والأدب الرفيع يصنع من ألفاظ محكمة السبك ومعان طريفة الفكر ومطربة للنفس الإنسانية. ولقد قال القرآن عن نفسه:

﴿كتاب أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [ هود: 1].

وقال الزمخشري في تفسير الكلمة: أي نظمت نظما رصينا محكما لا يقع فيه نقض ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف.

هذه حقيقة أن الدنيا في هذا الزمان دانية إلى تقدير المعنى أكثر من اللفظ، وأديب المعنى يقرأ أكثر من أديب اللفظ، وأسمي هذا الأدب أدبا شفيعًا، أي تغني فيه ندرة المعنى عن بهرج اللفظ، ولا شك أن الأفكار الجديدة إذا صيغت بأسلوب أدبي شائق تحتل المرتبة الأولى في درجات الأدب.

أما الأفكار الجديدة في لغة هشة وأسلوب مهزوز فهي لا تندرج في الأدب العالي، ويمكن أن نعدّ مثل هذا الكاتب مفكرًا كبيرًا، ولكن لا نجلسه في حظيرة الأدب.

لا ينحصر الأدب في موضوع خاص، بل يشمل جميع الموضوعات إذا كتبها الكاتب بأسلوب أدبي. فمثلا إذا كتب مؤرخ كتابًا في تاريخ بلد بأسلوب جاف فلا نسميه أدبا، أما إذا كتبه ممزوجا بالنكهة الأدبية فهو أدب، كما كتب شارل ديكنز وهيج جي ويلس كتبا تاريخية وهي تعدّ كتبا أدبية أيضًا. وقد كُتبت مجلدات ضخام في موضوع الحيوانات لكنها ليست أدبا، أما كتاب الجاحظ "الحيوان" فهو قمة الأدب، لأنه لا يبحث في طبائع الحيوانات كالجثة الهامدة على مائدة التشريح، بل يصف طبائعها بأسلوب حي، حيث تتحرك الصور وتتمثل المعاني وتتوثب الأفكار وتثور العواطف ويشبع الوجدان وتحصل المتعة النفسية.

جمع من القراء يقولون "هذا أسلوب فطري أرسل صاحبه نفسه على سجيته، وهذا أسلوب صناعي"، هذا الحكم ليس بسهل كما يظنون، تصدر مثل هذه الأحكام حسب الأذواق المختلفة.

كتب عن الشاعر الفرنسي الأكبر شارل بودلير أنه إذا عثر على تركيب جديد أو تعبير طريف كتبه في ورقة، ثم يضعها في صندوق، وهكذا تجتمع لديه قصاصات من الورق وذخيرة من التعابير، ويصنع منها قصائد عصماء. وكتب محمد سعيد العريان مثل هذا الأمر عن الرافعي.

وقال الأديب الإنجليزي الشهير جون ستاينبيك عن رواية له "كتبت خاتمتها أربعين مرة، في كل مرة أكتبها فلا تروقني، فأمزقها وأكتبها من جديد، حتى اطمأنت نفسي في المرة الأخيرة".

وإذا نظرنا في شعراء الأردية مثل إقبال وغالب نجد أنهم كانوا يبذلون جهدا كبيرا في إحكام الصنعة وحسن الصياغة للأشعار مع ما فيها من جودة الفكر وروعة المعنى.

وفي العربية نعرف القصائد الحوليات والمعلقات العشر كم صرف وقت طويل في كتابتها حتى استحقت عناية النقاد.

كان أمر هؤلاء العباقرة أنهم ربما كتبوا قصائد جيادا وكتابات خالدة في جلسة واحدة، وأحيانًا احتاج هذا الأمر إلى أسابيع وشهور؛ فحينا تطاوعك الفكرة ويسلس لك حبل اللغة ويدر المعنى، وفي حين آخر يخونك البيان ويخذلك اللسان ويستعصي عليك الفكر.

قال الناقد الأردي الكبير شمس الرحمن الفاروقي "الحكم على الكتابة بالتصنع أو العفوية صعب، لأن الأذواق مختلفة في هذا الباب، ربما يبدو المقال المكتوب في جلسة واحدة مقالا مصنوعا متكلفا، والمقال المكتوب بعناية في جلسات مرتجلا"، وكثير من الشعراء يقولون "نحن نصنع قصائدنا" (We are making our poems).

وبعض القراء ينقصون من قيمة الصياغة المحكمة حين يبلورون قيمة المعنى الطريف والفكر الظريف، وهذا أمر ليس بمقبول. قال أديب إنجليزي كبير "الفارق بين أديب وأديب هو الأسلوب، أما المعاني فهي الثروة الممنوحة للجميع في مستودع الأدب، ينتقون منها ما يشاؤون". هذا قول مهم، لأن المعاني الكثيرة عند الأدباء المتأخرين مذكورة عند المتقدمين، ولكنها منسوجة في ثوب جديد. عندما قرأت لشكسبير تعجبت كثيرا من سعة موضوعاته وثروة معانيه وذخيرة ألفاظه، لم يفلت من قلمه معنى دقيق.

وهناك كتّاب امتلكوا ناصية اللغة وحرموا غزارة المعنى، فهم ليسوا في عداد الطبقة الأولى، أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي وزكي مبارك وغيرهما، وقال الطنطاوي عن أديب "صاحب أجمل أسلوب في الأدب العربي ولكنه ضحل المعنى".

يجب أن يصرف الكاتب عنايته الكبرى إلى اللفظ، بشرط ألا يتضعضع المعنى، ولا يكثر من محسنات البديع ومجملات الصناعة، فيحسب القارئ أنها نمنمة ولملمة للألفاظ المنثورة في مزبلة اللغة. فصاحب العقل الصغير لا يستطيع أن يكون أديبًا كبيرًا.

كتب أحد العلماء أن اللغة الأصلية التي ألف بها شكسبير كتبه مفقودة في العالم، واللغة الموجودة هي ميسّرة ممن بعده.

فقلت له "إذن ضاعت عندي قيمة مسرحياته وأشعاره، وبطلت عظمته الأدبية". الكاتب الكبير أو الشاعر الكبير لو ترجم من لغته إلى لغة أخرى تبقى عظمته إلى حد كبير، أما الكاتب الصغير أو الشاعر الصغير إذا نقلت أعماله إلى لغة أجنبية خسرت قيمتها، لأنها كانت معتمدة على رونق اللفظ وضآلة المعنى.

نرى في الأدباء والشعراء الكبيرين ميزات مجتمعة:

  • لا يوجد في كتابتهم لفظ زائد.
  • الوحدة في الأفكار والتناسق في الأسلوب والترابط في الجمل والكلمات.
  • تكون المعاني جديدة أو قديمة ولكنها في أسلوب حي.
  • يرفع اللفظ من معناه المحدود ويوسعه إلى إطاره الممدود.
  • يجعل المعنى تجربة نفسية ويصوّره في قالب محسوس.
  • يضيف إلى خزانة الأدب معاني جديدة وتعبيرات جديدة وتجارب في الأساليب جديدة.

لا تستطيع القول في الأدب الكبير إن سرّ عظمته هذا الأمر الفلاني، بل هناك أسرار مجتمعات عملت في خلقه؛ من لغة حية، وأسلوب عذب، وفكر رائع، وحس الفكاهة والنقد اللاذع، واطلاع على دقائق النفس البشرية، وشعور مرهف بجمال الكون، ومراقبة دقيقة عميقة لأحداث الحياة، وغيرها من أدوات الكتابة العظيمة. ولن يستطيع أحد أن يترك بصمات ملموسة في تاريخ الأدب إذا كان عاريا من هذه المتطلبات الأساسية.

ولعلك قرأت بعناية العنوان الذي عنونت به هذا المقال "فرائس التفكير وعرائس التعبير"؛ فعمل الأديب أن يطرق كل موضوع يمس الحياة الإنسانية ومخلوقات الكون، ويقنص بواكير المعنى ويسرح في جنة الأفكار، ثم يقبس جذوة الخلود من نار العاطفة، ويسكب عليها قطرات من دم قلبه، ويمزج اللفظ بالمعنى مزجا دقيقًا حتى يتكون منهما قطعة أدبية رائعة. وعلى الأديب أن يبحث في كل حين عن الندرة في المعاني، وكذلك عن الدقة في الألفاظ والتعبير، لأن الأدب الخالد يخلق من كليهما. فإذا كان المعنى جناح الأدب الأول فاللفظ جناحه الآخر، يرفرف بهما مزهوا في دنيا الخلود.