على هامش الغربة والأدب..

midan - الغربة
من حسنات الغربة أنها تفتح آفاق إدراك جديد لكثير من الأمور وتعيدك للتفكير بعمق في أخرى بصورة مختلفة (مواقع التواصل الاجتماعي)

"من طول الغيبات.. جاب الغنائم" مثل يتردد كثيرا وأجده في محادثاتي عبر منصات التواصل مع كثير من الأصدقاء وزملاء الدراسة القدامى، بعد أن فرقّتنا السنون وأخذتنا الحياة نحو دروب شتى، وهو ما يعني لدى غالبيتهم تلك المكاسب التي يعود بها المغترب، في نظرة مجتمعية، ربما ارتبطت بحالات أو أقطار معينة في أوقات سابقة.

غير أن موضوع الغربة لكثيرين، ومنهم كاتب هذه التدوينة، بات مختلفا تماما بالنظر إلى حسابات الربح والخسارة هذه، ذلك أن الواقع اليوم أسهم في تغيير كثير مما كان سائدا، وبات يصعب معه التفريق بين المغترب طلبا للزرق والعمل أو الدراسة أو اللجوء، فضلا عن بواعث وأسباب الاغتراب.

غادرت صنعاء منذ نحو 7 سنوات إلى محطات عديدة تنوعت بين العمل في مؤسسات إعلامية عدة، ولا أزال، ولا أذكر من حسنات للغربة سوى أنها تفتح آفاق إدراك جديد لكثير من الأمور وتعيدك للتفكير بعمق في أخرى بصورة مختلفة، وكأنها مرحلة يتكثف نضج العمر فيها خلال سنوات قليلة، إضافة إلى مساحة العلاقات والتعرف على أصدقاء هذا المنفى الاختياري ورفاق العمل وزملاء المهنة، ولعمري تلك أكبر المكاسب!

ولعل هذا المعنى يلامس في بعضه فوائد الشافعي الخمس بقوله:

تغرب عن الأوطان في طلب العلا

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرج هم، واكتساب معيشة

وعلم، وآداب، وصحبة ماجد

ولعل هذا ما أسهم في تعزيز معنى السفر والاغتراب بالمعنى الإيجابي، وقبل ذلك ما ذهب إليه مفسرون لما أشار إليه القرآن الكريم في آيات، منها الآية الكريمة:

وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً

(النساء: 100)

بأن هذا في الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغما في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا، وإن كان المراغم اسم للمهاجر إذا أسلم وعادى قومه وهجرهم، فسمي خروجه مراغما، غير أن بعضهم يرى أن المراغم هو المبتغي للمعيشة، وعلى موقع "إسلام ويب" تفصيل في ذلك.

وبالعودة إلى ما نظمه الشعراء والأدباء -قديما وحديثا- في أمور الغربة، لا يغيب لدى كثير منهم شكواه من جوانبها المؤلمة، منها مثلا ما أورده موقع "الألوكة" الأدبي بشأن قصيدة ابن زريق البغدادي التي تحدث فيها عن غربته في بلاد الأندلس بعد مغادرته بغداد طلبا للرزق ومات غريبا بالأندلس بعد أن ترك قصيدة من عيون الشعر العربي، يقول في أولها مخاطبا زوجته بعد أن ألم به المرض وأقعده، وشعر بدنو أجله:

لا تعذليه فإن العذل يولعه

قد قلت حقا، ولكن ليس يسمعه

جاوزت في لومه حدا أضر به

من حيث قدرت أن اللوم ينفعه

فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً

من عذله، فهو مضنى القلب موجعه.

إلى أن يقول في بعض أبياتها:

أستودع الله في بغداد لي قمرا

بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

ودعته وبودي لو يودعني

صفو الحياة وأني لا أودعه

وعلى مستوى الغربة الشخصية التي عبر عنها شعراء العربية على مدار تاريخ الشعر العربي، كما يورد موقع "الألوكة"، نجد أبيات المتنبي التي يشكو فيها غربته بمصر بعد أن ترك بلاط سيف الدولة الحمداني، الذي كان بالنسبة إلى المتنبي بمثابة البطل الذي يقتحم الملمات، وينكل بالأعداء، ثم ها هو ذا المتنبي يلم به المرض مع غربته وانفراده بمصر من دون صديق أو أنيس أو سمير يواسيه ويخفف بعضا من هذه الغربة، يقول المتنبي مخاطبا الحمى:

أبنت الدهر عندي كل بنت

فكيف وصلت أنت من الزحام

جرحت مجرحا لم يبق فيه

مكان للسيوف ولا السهام

 

وفي أبياته التي هجا فيها كافورا الإخشيدي، كما يورد الكاتب طاهر العتباني، يبدأ المتنبي القصيدة بذكر غربته وبعده عن أحبته -في دولة الحمدانيين- ويمر العيد وهو كاسف البال حزين:

عيد، بأية حال عدت يا عيد

بما مضى؟ أم لأمر فيك تجديد؟

أما الأحبة فالبيداء دونهم

فليت دونك بيدا دونها بيد