شعار قسم مدونات

كونشرتو السيدة تهاني

وفاة تهاني الجبالي أول قاضية مصرية
تهاني الجبالي (مواقع التواصل الاجتماعي)

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله عن كونشرتو الآلة الواحدة (Concerto) ولتكن هذه الآلة هي الكمان، أو باللفظ الأنسب لقصتنا: الكمنجة. وكونشرتو الكمان هو نوع من التأليف الموسيقي الغربي الكلاسيكي الذي وضع لهذه الآلة وحدها، حيث تقوم الكمنجة بأداء الدور الرئيسي، أما الفرقة فتكون مرافقة فقط.

وقد كثرت إبداعات أعلام الموسيقى الكلاسيكية في الكونشرتات التي لا تزال تقدم على المسارح، كما برز عازفون مبدعون لأداء هذا اللون، لكننا كنا لا نزال نفتقده في السياسة المصرية المظهرية إلى أن جاءت هذه السيدة التي استغلتها الثورة المضادة أعنف استغلال لسبب واحد هو أنها كانت مؤمنة إلى حد اليقين بضرورة وإلحاحية فكرة الثورة المضادة.

في الحقيقة، أداء هذه السيدة كان تعبيرا شعبيا متفردا، بل عبقريا ونادرا عن أسلوب الكونشرتو، وقد قادها أداؤها الفطري أو الغريزي في النهاية إلى ثلاثة انتحارات، انتحار وظيفي لا شك فيه، وقد كان الكل (وفي مقدمتهم رجال القضاء) يتمناه لها للخلاص منها ومن وجودها بينهم فحققته هي، وانتحار سياسي لا علاج له ألبته، وانتحار إنساني أصعب من الانتحارين الأولين لكنه يتناسب مع معتنقاتها ومعتقداتها الناصرية التي تعشق الهزائم مع تغطيتها بالصوت العالي.

كيف بدأت المستشارة الكونشرتو؟

عقب إعلان تنحي الرئيس مبارك خرجت من الأستوديو فإذا بي أمام السيدة المستشارة، وإذا بها قد بدأت تحدث نفسها وتصوغ أفكارها في الشماتة من الرئيس المتنحي وتحاول وهي تحدث نفسها بصوت عال أن تشكل لهذه الأفكار إطارا قانونيا من دون جدوى، ثم إذا بها شأن كل أصحاب الرؤى أو الهوى تعود إلى مخزونها القديم من الأفكار.. وجلست في سعادة بالغة أتابع هذه العملية الذهنية التي تقوم بها هذه السيدة في فضاء سياسي مفتوح من دون أن يكون لحوارها مع نفسها من الفهم السياسي المقدر لحركة الشعب ولثورة الشعب أي تقدير أو حساب.

وقد كان من الواضح أنها لا تزال أسيرة الماضي الذي من المفترض أنه قد انتهى بتنحي الرئيس، كانت فيما تشاور به نفسها كأنها تريد أو تنوي أن تعبر لجناح من أجنحة القوة في نظام مبارك عن سعادتها بفوزه على الأجنحة الأخرى.. وكانت تتلمس الطريق بحيرة شديدة إلى أن وصلت إلى القول بأن المشكلة ليست في السنوات العشر الأخيرة وحدها، ثم إذا بها تقول بلا مقدمات أو تسبيب: بل المشكلة في الثلاثين سنة الأخيرة، وإذا بها بعد دقيقتين من هذا القرار الأخير تقول بل في الأربعين سنة الأخيرة، وهنا أضافت تسبيبا رهيبا فقالت: نحن نعيش منذ 1971 في ثورة مضادة.

أول تفكير في الثورة المضادة

ابتسمت إلى أقصى ما يمكن لي أن ابتسم من دون أن أضحك، أي أنني تمالكت نفسي فلم أحدث صوت الضحك ولا ملامحه، وإنما اكتفيت بالابتسامة العريضة في قلبي، فهذه هي إحدى الناصريات أو الناصريين المجروحين (بالوراثة) مما سمي ثورة أو حركة 15 مايو/أيار 1971 التي قادها السادات وتخلص فيها من بعض ورثة تركة عبد الناصر، تبدو لأول مرة وكأنها عاشت أربعين سنة تتربص بالسادات دون جدوى، وها هي اليوم تحاول أن تشفي غليلها من السادات بأن تقول إن الرجل الذي اختاره السادات قد انتهى، وأن عصر السادات بالتالي قد انتهى الى غير رجعة.

كان من المتعارف عليه في حياتنا السياسية أن أقطاب ما سمي باليسار الناصري المكتوين بـ15 مايو/أيار 1971 كانوا يكررون من باب الشياكة الأيديولوجية أن ما فعله السادات يوم 15 مايو/أيار كان ثورة مضادة، وها هي السيدة التي كانت في وقت الحدث -أي في 1971- جامعية صغيرة مفتونة بحركيات ما تبقى من خلايا التنظيم الطليعي، تؤثر اليوم اللجوء إلى هذا اللفظ المتاح، ثم تبدأ في الأيام التالية مع أقرانها وقريناتها محاولة لتصوير 25 يناير/كانون الثاني على أنها ثورة على 15 مايو/أيار ومن ثم فإنه رجوع إلى 23 يوليو/تموز، وكأننا لابد أن نعيش مرحلة خطوة تقدم للأمام وخطوة للعودة، وننحصر بين خطوتين فقط دون أي تطور أو تقدم أو تغير.

كان من الصعب عليّ أن أحاول أن أناقش مثل هذا الفكر، لكنني رأيت أن هناك أسلوبا آخر كفيلا بأن يسفه للسيدة المستشارة كل ما سوف تنادي به في المستقبل القريب ما دامت قد اختارت هذا المربع للانطلاق منه في موقفها من الثورة الشعبية الهادرة.

من أفناهم الزمن

وعلى حين فجأة منها قلت بمنتهى الأدب والتواضع إن المشكلة حسب تشخيص سيادتكم ستتعقد أكثر فمن أين لنا بهؤلاء الملتزمين أيديولوجيا وهم قد أفناهم الزمن بعد أن أبعدتهم 15 مايو/أيار؟ كان السؤال واضحا لا يحتمل الهروب ولا يحتمل التأويل إلى درجة أن السيدة المستشارة لم تجد إجابة له إلا بقولها: على رأيك.. أي أنها موافقة على هذا الذي أقول وأنه ليس هناك رصيد لتوريد من تراهم سيادتها قادرين على إعادة الثورة إلى عصرها الزاهي قبل ثورة 15 مايو/أيار 1971 المضادة! صحيح أنها كانت تعتبر نفسها بقية من بقايا الصف الناصري الصالح لكن أمثالها نادرون! وهكذا بدأت السيدة تفكر وتفصح عما تفكر فيه بكل صراحة حتى إنها قالت ما ظلت تقول به ولا تزال تقول به حتى الآن وهو أنه للأسف الشديد فليس في الساحة السياسية إلا الإخوان المسلمون والإسلاميون الآخرون الأقل كفاءة منهم.

لم تكن مستعدة

حاولت أن أشرح لسيادتها أن مصلحة الوطن تقتضي منا الآن أن نساعد هؤلاء حتى نستطيع بناء تجربة ديمقراطية، وأن المساعدة لا تعني حتمية الانضواء تحت قيادتهم وإنما تعني أيضا تعليمهم من خلال النقد المعلم والموجه لا النقد المفتري أو النقد لمجرد النقد، لكن السيدة المستشارة لم تكن على الاستعداد للقبول بما أرى ولا التنازل عما تعتقد. لجأت مرة ثانية إلى معاتبة أو معابثة من نوع ثان، وهي دعوتها إلى تأييد مبارك ونظام مبارك وعدم الانضمام للثورة فقد يكون هذا أفضل عن حالة الضياع!!

لكن إجابتها لم تخرج عن فكرة شائعة وبسيطة تقول ما معناه تقريبا: هل تدعوني لأن أتنازل عن هذه الوليمة الفاخرة، والاكتفاء بالأكل من بقايا الطعام المتروكة من أول أمس، بعد أن أخذ من كانت تصورهم على أنهم الطفيليون نصيبهم منها ولم يتركوا منها إلا القليل مما يصلح.. وهكذا كان جوهر حكمها على ما تركه مبارك ونظامه!! وذلك على الرغم من أن كل مجدها كان على يد مبارك ونظامه.

السرد والدراما

في ركن قصي من الحجرة التي دار فيها حواري مع السيدة المستشارة، كان يجلس أديب من أشهر أدبائنا عاش في الغرب، وعرف معنى الديمقراطية، ومعنى ما كنت أتكلم به وعنه، وكان سعيدا ومنتشيا إلى أقصى الحدود بطريقتي في المناقشة على الرغم من أنه لم يكن من عشاق كتابتي، وإنما كان يقدرني فحسب، وبقدر محدد يتوقف عند حدود الفكر لا الفن، وعند حدود العلم لا الإبداع، لكنني أحسست في تلك الليلة أنه بدأ يتحول إلى الإعجاب بفني أيضا، فقد كان وجهه يشرق وكانت أساريره تشجعني، وكأنه في تلك الليلة كان يكتشفني.

وإذا به بعد أن تركتنا السيدة المستشارة لتدخل الأستوديو يعاجلني بقوله: لقد عرفت الآن لماذا أنت منصرف عن الإبداع في فنون السرد، فأجبته بسرعة معتادة في مثل هذه الحوارات بأني منصرف لأني فاشل في هذه الفنون لا أعرف ولم أعرف ولن أعرف، فابتسم نصف ابتسامة وقال: انتبه يا دكتور فأنت الآن تحدث أديبا محترفا يعاني وهو يكتب من أجل الفوز بالتقدير ولا تحدث مستشارا يكتب قرارات وأحكاما، ويعرف أن ما يكتبه سوف ينفذ!! ثم استطرد مبتسما وقال: سأجيبك بطريقتك نفسها التي رأيتها منك الآن، وأقول لك إنك تحب الدراما ولا تحب السرد، فما كان مني إلا أن أجبته بسرعة بالغة: إنني في الدراما أكثر فشلا مني في السرد.