شعار قسم مدونات

جولة في عقلية "الرجل الأبيض"

blogs الاحتلال االبريطاني
قوات للاحتلال البريطاني (مواقع التواصل الاجتماعي)

إنما الأيام دول، وهذه الأيام هي أيام الرجل الأوروبي الأبيض، الذي أخذ على عاتقه منذ القرن الـ18 نشرَ ثقافته ولغته في العالم كله؛ فبدأ عصر الاحتلال من إسبانيا، ثم ما لبثنا أن دخلنا العصر الفيكتوري البريطاني، حين قرر ذوو العرق الأنجلوسكسون بناء مستعمرات لهم في العالم، ليُطلَق عليهم: أصحاب المملكة التي لا يغيب عنها الشمس.

في هذا المقال سنحاول التعرف على عقلية الرجل الأبيض.

كيف يفكر الرجل الأبيض؟

الرجل الأبيض منذ اعتلائه ربوة الحضارة وهو يرى نفسه النموذج الأسمى وسط الأعراق، بل وتعدى الأمر -مع بداية عصر الحداثة- بأن رأى نفسه خليفة عن الله، وليس من الله، فالفرق بين (عن) و(من) كفرق الثرى والثريا، فالأولى تعني تنحية الله من مركز الوجود، أما الثانية فلا تنفي مركزية الله، ويكون الإنسان موكلًا منه.

فظهر إثر ذلك الخلل العقلي الكثير من الأيديولوجيات العرقية المطعمة بنكهة الاستعمار، أو بلغة عليّ شريعتي ظهر الاستخراب، فصار يرى المُستعمِر -أقصد الرجل الأبيض- نفسه كأنه وصيٌّ وولي على الأمم المختلفة، التي حسب رأيه تحتاج إلى التقدم والتطور لتلحق بركب الحضارة، فأعطى لنفسه شرعية وأحقية الغزو مُنطلقًا من ذلك التكليف الأيديولوجي المتطرف بقصد تحرير الشعوب من براثن الجهل المدقع؛ فبدأ عصر الاستعمار كصورة تطبيقية لتلك الأيديولوجيات الاستعلائية.

ولذا تتبعت تاريخ الاستعمار أو الاستخراب في أي دولة مِن دول العالم الثالث (حسب تصنيف الرجل الأبيض) ستجد أن الاستعمار لم يكن يرى نفسه سوى مُنقذ لتلك الشعوب من غياهب الجهل المثقل، وكيف لا؟ أولم تقرأ مقولة الشاعر الإنجليزي وديار كيبلينغ: "اِحمل عبء الرجل الأبيض"، فالرجل الأبيض -المستعمِر- يحمل عبئًا كبيرًا لنجدة هؤلاء الناس الخاضعين تحت احتلاله! حتى يجعلهم يلحقون بركب التحضر، كأنه يحمل لهم نير الهُدى، فبدلًا من أن يكون احتلالًا يكون فتحًا!

فلا عجب أن ترى هذا الشاعر كيبلينغ الذي كتب تلك القصيدة عام 1899م يشكر فيها الولايات المُتحدة الأميركية على احتلالها جزر الفلبين، ولا عجب أيضًا أن تجد الجنرال الأميركي جاكوب هيرد يتمم رسالة الاحتلال المذكورة أعلاه بأن يُصدر قرارًا بقتل كل فلبيني فوق العاشرة من عمرهِ وتحويل الجزيرة إلى "خراب تصفر فيه الريح"! ([1]).

نعم يا صديقي هذا هو السلام الموعود الذي كانت ترجوه دول أوروبا، أولم يذكر اللورد كرومر في كتابه مصر الحديثة: أن "الجحود وقلة الاعتراف بالجميل من قِبل شعب ما اتجاه منقذيه الأجانب (!!) قديم قِدم التاريخ نفسه، فأيًا كانت درجة جحودهم فمن الظلم أن نلوم المصريين؛ حيث يتبعون إملاءات الطبيعة البشرية على كل الأحوال، أيًا كان الحصاد الأخلاقي الذي قد نجنيه يظل لزامًا علينا أن نؤدي واجبنا، وواجبنا كما قال بولس الرسول هو ألا نتعب من فعل الخير!" ([2]).

لك الحق في إطلاق علامات الاستفهام حول لغة كرومر، فالأغرب من ذلك أنه صدّق كذبته؛ حيث لا يرى جريمته جريمة، بل يراها إحسانًا منه على هؤلاء الناس، فالاستعمار الحقيقي في نظرهِ ليس أن تحتل أرضًا وتقتل شعبًا وتحرق زرعًا وتُصادر مُلكًا، لا، بل الاستعمار هو استعمار العقول المختلفة عنك ثقافيًا. فعليك أنت -المستعمِر- أن تحررهم من أغلالهم الثقافية تلك، وأن تجعلهم تابعين لا متبوعين، فتفرض عليهم فكرك ورأيك وخلفيتك الثقافية حتى يصيروا خدامًا وعبيدًا، بل كما قال السير كرومر "إنسانًا آليًا"، ويكون ذلك عن طيب نفسٍ منهم، ولا محبة إلا بعد عداوة!

واليوم تُطل علينا فضائح من داخل قلب أعظم الدول الأوروبية تحضرًا، السويد، ذات الصحوة الديمقراطية كما يدعوّن؛ فنرى أطفالَ العرب والمسلمين يُخطفون من قِبل جهات سياسية تُدعى "السوسيال"، بتهمة تُسمى جريمة شرف؛ فتعمل على تغيير هويتهم وثقافتهم وتهجينهم ليكونوا مُستنسخين أتباعًا لذلك الرجل الأبيض. وسؤالي: ألا يُعد ذلك اعتداءً صارخًا على الإنسانية!؟

طموح الرجل الأبيض وآلياته

الرجل الأبيض الآن، ببرامجه وأفلامه التي أخذت تُغذي عقولنا وتغذو ثقافاتنا، يطمح من خلالها إلى تهجين المختلفين عنه، خاصة العرب (كما أشرنا فيما سبق)، وكلامي هذا ليس انطلاقًا من فكرة المؤامرة، التي لا أؤمن بها شخصيًا، ولكن هكذا هو طموح أي مستعمر: تهجين المستعمَر ككلب أليف له، يُلبي احتياجاته، ويُبدي له الطاعة، ويُهدي له ثروات بلاده دون أدنى تفكير.

أما عن آلياته؛ فالرجل الأبيض عادة ما يزرع جواسيسه في تلك البلدان، وهؤلاء الجواسيس هم من يستنصرون المستعمِر على إخوانهم، وذلك سبب ضياع العرب وانحطاط قدرهم، فالأخ فيهم يهادن العدوَ وينصره على أخيه، متناسيًا أن النار التي تنشب في دار جاره، ستنشب غدًا في داره. وقد قال الإمام الأفغاني -قدس الله روحه- عن هؤلاء الجواسيس الخونة في مجلة العروة الوثقى:

"اختاروا مُوالاة الأجنبي عنهم، المُخالف لهم في الدين والجنس، ولجئوا للاستنصار به وطلب المعونة منه على أبناء ملتهم؛ استبقاءً لهذا الشبح البالي والنعيم الزائل (يقصد الحُكم). هذا الذي أباد مسلمي الأندلس، وهَدَم أركانَ السلطنة التيمورية في الهند، وفي أطلالها وعلى رُسُومها شيد الإنجليز مُلْكَهم بتلك الديار، هكذا تلاعبت أهواء السفهاء بالممالك الإسلامية، ودهورتها أمانيهم الكاذبة في مهاوي الضعف والوهن، قُبح ما صنعوا وبئس ما كانوا يعملون".

فطغيان وسلطان الرجل الأبيض لا يأتيان فرادى، بل من خلال سرطان ينخر جسد الأمم، فترى أناسًا يُبايعون الأجنبي في عين الشمس دون خجل أو مبالاة. فهؤلاء الخاضعون هم السبب الرئيسي في هوان الأمم وضعفها وشتاتها؛ فأيديولوجية الرجل الأبيض وحدها لا تكفي، لابد من خيانة تُغذي تلك النزعة الإمبريالية.

المنبطحون للرجل الأبيض

مع كل خسارة تجعجع حضارة ما، لابد من ظهور المُنبطحين الذين يدعون للانخراط داخل هوية المستعمِر، والتخلي التام عن الهوية الأم، بحجة اللحاق بركب الحضارة؛ ومن هؤلاء سيد القمني الذي ظل طوال حياته داعيًا لنسف الهوية الشرقية وتحييد الثقافة العربية، بل وقد دعا في محاضرة له في بروكسل إلى إعادة تجربة الاستعمار (الاستخراب) من جديد، لتصير مصر دولة غربية لا شرقية، فقد كان أعتى المنبطحين للعرق الأبيض، إلى حد انسلاخه من هويته وثقافته وبكائه على أطلال الاحتلال!

ويصدق في مثل هؤلاء المُنبطحين قول ابن الرومي:

والكلب وافٍ وفيك غدرٌ ** ففيك عن قدْره سُفولُ

هل من نجاة؟

إنما الرجل الأبيض، بوصفه نتاجا لعصر الحداثة كله، ليس سوى حلقة بسيطة في تاريخ الحضارات، لكن السؤال: هل من نجاة لنا نحن العرب؟ فاليوم نرى أناسًا ينسلخون من جلدتهم ولغتهم ويتباهون بأنهم يملكون جنسيات غير عربية، كامرأة -مشهورة أو مغمورة- تتزوج من بريطاني وتحصل على جنسيته، فتصير في نفسها كمن ملك الأرض وما عليها! وهذا لا أراه سوى خواء معنوي وثقافي عند هؤلاء الشرذمة. كذلك من يُنشئون أبناءهم على لغات عدة ويهملون لغتهم الأم العربية، فترى عجزًا مدويًا في ثقافة الجيل الناشئ.

فضياع الهوية الثقافية ليس إلا تبعة من تبعيات الاستعمار، فالنموذج السائد ما بيننا اليوم -بلغة المسيري- نموذج العربي المنهزم، والذي قال عنه ابن خلدون قديمًا:

إن المغلوبَ مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب

في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده

فالعرب يعانون من عجز وتيهٍ، فلا نزال تحت أثر الصدمة، فيخرج البعض ليُقدموا الحلول، وهي ليست بحلول، بل توالٍ للنكسات، كالمُفكر أدونيس في كتابه الثابت والمتحول حين دعا للقطيعة المعرفية الكاملة مع التراث العربي، وقد تصدى لتلك الدعوى العديد من المفكرين العرب وعلى رأسهم الدكتور القدير نصر حامد أبو زيد؛ فدعوة أدونيس ليست سوى إتمام لنظرية المستعمر في تهجين الشعوب المستعمَرة.

فالنجاة شيء لابد منه، وذلك من خلال الاستمساك بالهوية العربية، والاستبسال في المقاومة والدفاع عنها، ولدينا نماذج عدة عن شعوب استمسكت بهويتها فنجت، كالشعب الياباني والألماني، فقد تعرض كلاهما لنكسات متعددة، لكنهما تمسكا بهويتهما، مِن لغة وتراث ودين، وأخذوا بأسباب التقدم، من العلوم والتطورات التكنولوجية، فصار كل منهما أمة يشيب من رؤيتها العيان.

فتوحدنا -نحن العرب- ليس بالأمر الصعب، فلدينا لغة وتراث ودين مُشترك، والخلافات مصيرها أن تنتهي؛ فالساسة يُفرقون الجمع خشية التحرر، وقد قال أكثم الصيفي:

كونوا جميعًا يا بنيَّ إذا اعترى .. خطب ولا تتفرقوا آحادا

تأبى القداح إذا اجتمعن تَكَسُّرًا .. وإذا افترقن تكسرت أفرادا

فلا قوة إلا بالاتحاد.

 

  • تميم البرغوثي، الوطنية الأليفة، ص: 30 -[1].
  • المرجع السابق، ص: 75 -[2].