شعار قسم مدونات

خذ من الحياة درسًا.. فليس كل ما يلمع ذهبًا

من كان معدنه أصيلًا يتضح ومن كان معدنه مزيفًا يظهر على حقيقته عند الشدائد (الأناضول)

ننجرف في كثير من الأحيان نحو دوامة الإعجاب بالمظاهر والانبهار المزيف الذي يلازمه بعد حين التعلق الذي ينغرّ به القلب وتستلذ به المشاعر، وما هذا إلا فخ ينحدر به صاحبه نحو هاوية الصدمة وانكشاف الحقيقة المكنونة التي كان العقل مغشيًّا عنها منذ أول لحظة خاضها المرء في برهة الدهشة والانقياد نحو سحر الانجذاب، فمن كان معدنه أصيلًا يتضح ومن كان معدنه مزيفًا يظهر على حقيقته عند الشدائد.

للناس ظاهر والمظاهر تخدع .. فلا تحكمنَّ بالذي ترى وتسمع

فرُبَّ باكٍ ودمعهُ مُزيف .. ورُبَّ باسمٍ وقلبُه يدمع

  • إذن، هل الانبهار المزيف بالأشخاص خطأ يسعدك أنك ارتكبتَه، أم عليه تبعات وعواقب عليك تحملها بعد فوات الوقت؟
  • وما أسباب الانقياد نحو هذه المشاعر المبهمة؟

الانبهار والانجذاب إحساس جميل لا محالة إذا وُظّف بصورة عقلانية في حياتنا الشخصية والفكرية، خاصة في نظرتنا الأولية إلى الأشياء وعدم التسرع في تقبل ما يراود القلب من إعجاب وتقبل شديدين نحو شخص آخر. فالعواقب لا تقتصر فقط على التألم وخوض معارك ليلًا ونهارًا في لوْم النفس على ما اقترفته من أفعال جعلتها في صدمة لم تكن بالحسبان، بل إن من تبعاته أيضا ما يمكن للمرء أن يغيره من قرارات وأحكام قد تؤدي إلى قلب حياته رأسًا على عقب جراء فعل بسيط في لحظة ندم قد أثرت عليه.

فقد يكون الشخص تحت هيمنة مشاعره حين يريد اتخاذ قرار مصيري في حياته كاتخاذ شريك العمر لمجرد أن مظهره أراحه ومال القلب إليه، ولكن مع مرور الوقت ينكشف الحاجز وتزول المثالية التي رآها فيه مع التعرف على شخصيته والتقرب منه أكثر، فتتحول كل الآمال إلى رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف؛ خيبة أمل كان أساسها لهفة البداية، فبالتأكيد ليس من السهل الاحتفاظ بالقدر نفسه من الانبهار كما كان في أول الرحلة، خاصة بعد معرفة مكنون الشخص الآخر والتعرف على شخصه بشكل أعمق.

لذلك، فإن أهم سبب لهذا الأمر البحث عن المثالية في الأشخاص من أول نظرة إعجاب، ظنا منا أن هذا الشخص هو المنشود الخالي من العيوب الذي سيعوضنا عما فقدنا، ويملأ الجزء الخالي منا، ويؤثر في حياتنا النفسية والعملية، فهذا الانبهار غير العقلاني يتفاقم إن لم يصحبه تعرف على الشخص عن قرب، وسيفضي إلى الانخداع بالمظهر المتوهج الذي سينطفئ يومًا لا محالة.

ومن الأسباب أيضا التفكير السطحي، والنظر إلى الأمور من منظور واحد، والحكم على الأشخاص من خطفة ولمحة واحدة حتى إن كانت غير حقيقية، أو من وراء الشاشات، كالإعجاب بمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي لمجرد الشكل الخارجي من دون التمعن والتفكر بأن كل هذا يخفي القبيح ويظهر الحسن للمرء، الذي سيتلاشى خلال الزمن، إذ إن الحب الحقيقي الذي يصعب زواله هو حب الفِكر والروح وتقبل الشخص بعد معرفته ومعاشرته بالمواقف لا بالأشكال والأقوال، فالانبهار صفة المعجبين، والتَقبُّل صفة المحبّين الأوفياء.

ختامًا، البحث المستميت عن الصفات الكاملة والنموذجية للبشر ما هو إلا هاجس نابع من أفكارنا الذاتية، والانقياد نحو الانبهار بالمظاهر الخداعة فقط دون الانغماس بالجوهر الداخلي يعدّ طريقًا هاويًا نحو التعاسة الأبدية، والصدمات المتكررة سببها ما ستكتشفه لاحقًا ممن حولك وممن تعلقت بمظهرهم فقط، واللوم حينئذ مسؤوليتك وحدك، لذلك عليك أن تتعاطى الواقع وتدعه يبهرك بدلًا من أن تبحث أنت عمن تنبهر به.

  • يقول أحد الحكماء:

عاشر الناس لتدركَ أصلها، فحقيقة المرء بالعشرة تسطع