شعار قسم مدونات

الضمير الأخلاقي والدين المدني عند جان جاك روسو (12)

blogs جاك جان روسو
جاك جان روسو (مواقع التواصل الاجتماعي)

ما زلنا نتابع التغيرات التي طرأت على الموقف الغربي من الأخلاق في عصر التنوير، بتياريه العقلاني والعلمي. ولا يستقيم المرور على عصر التنوير بدون الوقوف عند الفيلسوف السويسري الفرنسي جان جاك روسو، صاحب كتاب "العقد الاجتماعي"، وأثره الكبير في الفكر السياسي والاجتماعي والديني والأخلاقي والتعليمي، فضلا عن تأثيره على الثورة الفرنسية في النصف الثاني من القرن الـ18، وعلى العديد من علماء وفلاسفة عصره والعصور اللاحقة. وقدّم روسو مفهوما جديدا للدافع الأخلاقي، وعرض للمرة الأولى عقيدته حول التعددية الدينية. ويعد كتابه "العقد الاجتماعي" حجر الزاوية في الفكر السياسي والاجتماعي على مستوى أوروبا والولايات المتحدة. وكان روسو أشهر الفلاسفة بين أعضاء نادي "اليعاقبة" السياسي المعارض للملكية، والأكثر نفوذا إبان الثورة الفرنسية، ما جعل روسو يحظى بتقدير كبير بعد نجاح الثورة، واعتباره بطلا قوميا.

يعتقد روسو أن الدافع الأخلاقي الحقيقي، هو الضمير الذي يدفعنا إلى حب العدالة والأخلاق، والرغبة في العمل على تعزيزهما. ويرى أن التقدير العقلاني يوجّه الضمير ليقوم بتنزيل الأخلاق الحميدة التي أوجدها الرب في العالم. ومع ذلك، فإن الملكية المستبدة المهيمنة على العالم تدفع المجتمع إلى اجتناب العقل والتعاطف، وتوجيه قدرة البشر للاندفاع إلى الهيمنة والقمع والاستغلال، بعيدا عن الأخلاق.

عاش روسو (1712-1778م) طفولة قاسية كان لها دور واضح في الأفكار السياسية والاجتماعية والدينية التي تبناها فيما بعد، حيث توفيت والدته بعد أيام من ولادته في مدينة جنيف، لينشأ في كنف والده لبضع سنوات قبل أن يوضع في رعاية أحد القساوسة، وعمل نقّاشا ثم خادما في منزل أحد النبلاء. وتحوّل روسو من مذهب الكالفينية البروتستانتية إلى الكاثوليكية الرومانية، وتلقى تدريبا لفترة وجيزة ليصبح كاهنا، قبل أن يتجه إلى الموسيقى. وكانت أول مساهمة له في عالم الفكر عندما فاز بالجائزة الأولى في مسابقة نظمتها أكاديمية "ديجون"، حول ما إذا كان تطوير الفنون والعلوم قد أدى إلى تحسين الأخلاق العامة أم إفسادها، حيث ذكر في أطروحته أن التنمية الاجتماعية، بما في ذلك الفنون والعلوم، تفسد الفضيلة المدنية والشخصية الأخلاقية الفردية.

الدافع الأخلاقي

يعتقد روسو أن القوة العقلية التي هي مصدر الدافع الأخلاقي الحقيقي، وهذا الدافع هو الضمير الذي يدفعنا إلى حب العدالة والأخلاق، والرغبة في العمل على تعزيزهما، وهو بذلك يخالف ما جاء به الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، الذي اعتبر الدافع الأخلاقي هو المتعة والألم، أي السعي وراء المتعة واللذة واجتناب الألم والمعاناة وما يجر إليها. ويرى روسو أن التقدير العقلاني يوجّه الضمير ليقوم بتنزيل الأخلاق الحميدة التي أوجدها الرب في العالم. ومع ذلك، فإن الملكية المستبدة المهيمنة على العالم تدفع المجتمع إلى اجتناب العقل والتعاطف، وتوجيه قدرة البشر للاندفاع إلى الهيمنة والقمع والاستغلال، بعيدا عن الأخلاق. ولكن بمجرد أن يحقق الناس وعيهم بأنفسهم ككائنات اجتماعية، تصبح الأخلاق ممكنة أيضا.

ومن ناحية أخرى، يرى روسو أن الأخلاق الحقيقية تتمثل في ضبط العقل للشؤون والسلوك البشرية، لأن الفلسفة قد تكون مصدرا لخداع الذات، وتعطي الناس أسبابا لتجاهل دوافع الشفقة، كما يحدث عندما يضع الأقوياء القواعد القانونية التي تبرر لهم العنف القمعي ضد خصومهم.

وتنطلق فلسفة روسو الأخلاقية من اعتقاده أن البشر صالحون بطبيعتهم، ولكن المجتمع يفسدهم، وأن الأخلاق ليست سمة طبيعية للحياة البشرية، وإنما هي منزلة من الرب. فالبشر يمتلكون غريزة الحفاظ على الذات كسائر المخلوقات، يحركهم في ذلك دافعان أساسيان، الأول "حب الذات"، الذي يوجه البشر لتلبية احتياجاتهم الأساسية من طعام ومأوى وملبس ومأمن. ولأن البشر كبقية الكائنات جزء من تصميم الخالق، فهم مجهّزون جيدا وبشكل فردي، بالوسائل اللازمة لتلبية احتياجاتهم، والثاني "التعاطف" الذي يوجهنا إلى الاهتمام بالآخرين وتخفيف معاناتهم.

ويرى روسو أن تطور البشرية مرّ بعدة مراحل، من الحالة البدائية إلى المجتمع الحديث المعقد، وهذا التطور جعل البشر يتميزون عن غيرهم من المخلوقات بخاصيتين: الحرية والكمال. وتتمثل الحرية، في القدرة على كبح سيطرة النزعة الاستحواذية؛ ويتمثل الكمال في القدرة على التعلم وإيجاد وسائل جديدة أفضل لتلبية الاحتياجات. وهاتان الخاصيتان تمنحان معا البشر القدرة على تحقيق الوعي الذاتي والعقلانية والأخلاق. ومع ذلك، فإن هاتين الخاصيتين تتأثران كثيرا بالمجتمع المليء بالخداع والرياء والتبعية والقمع والسيطرة.

التعددية الدينية

في الفصل الكامل الأخير من العقد الاجتماعي يشرح روسو عقيدته حول الدين المدني. والتي يرى فيها أن المسيحية الحقيقية غير مجدية في تعزيز روح الوطنية والتضامن الاجتماعي الضروريين لدولة مزدهرة. مطالبا بقبول حتمية التعددية في أمور الدين، وبالتالي في التسامح الديني، مع تشجيعه للتجانس الثقافي كبيئة مواتية لظهور الإرادة عامة، خصوصا أن الحاكم غير قادر على فحص المعتقدات الخاصة للمواطنين.

وتشمل مبادئ الدين المدني عند روسو التأكيد على وجود إله أعلى، وعلى وجود الحياة الآخرة، ومبدأ أن العادل سوف ينجح وأن الأشرار سيعاقبون، وأن العقد الاجتماعي والقوانين مقدسة، وأن كل من هم على استعداد لتحمّل الآخرين يجب أن يتم التسامح معهم، لكن أولئك الذين يصرون على أنه لا يوجد خلاص خارج كنيستهم الخاصة؛ لا يمكن أن يكونوا مواطنين في الدولة. فهو يرى أن بنية المعتقدات الدينية داخل الدولة العادلة يمكن تأكيدها من قبل أتباع عدد من الديانات المختلفة، المسيحية وغير المسيحية على حد سواء. ويعتقد أن أولئك الذين لا يستطيعون قبول العقائد المتعددة يمكن إبعادهم من الدولة، وأن الملحدين، الذين لا يخافون من العقاب الإلهي، لا يمكن أن يثقوا من قبل مواطنيهم في إطاعة القانون. ويذهب روسو إلى أبعد من ذلك، فيقترح عقوبة الإعدام لأولئك الذين يصادقون على تعدد العقائد لكنهم يتصرفون فيما بعد كما لو أنهم ينكرونها.

يعتقد روسو أن التوفيق بين حرية الفرد وسلطة الدولة أمر ضروري، لأن المجتمع البشري تطور إلى درجة لم يعد فيها الأفراد قادرين على توفير احتياجاتهم بدون مساعدة، بل يجب أن يعتمدوا على تعاون الآخرين. وذلك حتى لا تكون الدولة طبقية، تسترشد بالمصالح المشتركة للأثرياء والمالكين، وتفرض عدم الحرية والتبعية على الفقراء والضعفاء.

العقد الاجتماعي والإرادة العامة

في كتابه "العقد الاجتماعي"، شرع روسو في الإجابة عما يعتبره السؤال الأساسي للسياسة، وهو التوفيق بين حرية الفرد وسلطة الدولة. هذه المصالحة ضرورية لأن المجتمع البشري قد تطور إلى درجة لم يعد فيها الأفراد قادرين على توفير احتياجاتهم من خلال جهودهم بدون مساعدة، بل يجب أن يعتمدوا على تعاون الآخرين. وذلك حتى لا تكون الدولة طبقية، تسترشد بالمصالح المشتركة للأثرياء والمالكين، وتفرض عدم الحرية والتبعية على الفقراء والضعفاء.

ويهدف العقد الاجتماعي إلى تحديد بديل لهذا الواقع المرير، وهو بديل، كما يعتقد روسو، يتمتع فيه كل شخص بحماية القوة الجماعية، بينما يظل حرا كما كان في حالة الطبيعة. ومفتاح هذه المصالحة هو فكرة الإرادة العامة: أي الإرادة الجماعية لجسد المواطن ككل. والإرادة العامة هي مصدر القانون ويريدها كل مواطن، ففي طاعة القانون، يخضع كل مواطن لإرادته، وبالتالي، يظل حرا.

وتقوم العقيدة السياسة عند روسو على أن الدولة لا يمكن أن تكون شرعية إلا إذا استرشدت بـ "الإرادة العامة" لمواطنيها. ولذا دافع روسو كثيرا عن العدالة، وهاجم اللامساواة بين البشر، وطالب بالمساواة بين الذين يمتلكون الأرض والذين لا يمتلكونها. فهو يرى أنه في المجتمع غير المتكافئ، يضطر البشر من أجل الحصول على السلع المادية الأساسية؛ إلى الدخول في علاقات اجتماعية ضد حريتهم وشعورهم بقيمتهم الذاتية. موضحا أن المرؤوسين يحتاجون إلى رؤسائهم من أجل الوصول إلى وسائل الراحة في الحياة؛ والرؤساء يحتاجون إلى مرؤوسين للعمل معهم، ومنحهم الاعتراف الذي يتوقون إليه. وهذا يمثل حافزا واضحا للناس لتحريف معتقداتهم ورغباتهم الحقيقية من أجل تحقيق غاياتهم.

والإرادة العامة هي ما يقرره مواطنو الدولة معا في مجلسهم السيادي، والتفسير البديل حيث الإرادة العامة هي التجسيد السامي لمصالح المواطنين المشتركة الموجودة في التجريد مما يريده أي منهم بالفعل، وفي ظل الظروف المناسبة ووفقا للإجراءات الصحيحة، سيتم توجيه المشرعين المواطنين إلى التقارب بشأن القوانين التي توافق مصالحهم المشتركة؛ ومع ذلك، في حالة غياب هذه الشروط والإجراءات، تكون الدولة بالضرورة مفتقرة إلى الشرعية. فلكي تكون الإرادة العامة شاملة حقا، يجب أن تأتي من الجميع وأن تنطبق على الجميع.

ورفض روسو إسناد الإرادة التشريعية للشعب إلى مجموعة أو فرد ما يحكمهم ويتصرف بعد ذلك بسلطته، معتبرا أن تسليم حق المرء العام في حكم نفسه إلى شخص آخر أو هيئة أخرى يعد شكلا من أشكال العبودية، وأن الاعتراف بمثل هذه السلطة يرقى إلى التنازل عن الفاعلية الأخلاقية، ويعتبر أحد أعراض التدهور الأخلاقي وفقدان الفضيلة.

وقدّم روسو مفاهيم فلسفية جديدة حول الدافع الأخلاقي، وعلاقة الأخلاق بالدين، وقدّم لأول مرّة تصورات منظّمة حول التعددية الدينية، والعلاقة التكاملية بين السلطة والشعب، وسط الغليان التي كانت تشهده أوروبا في النصف الأخير من عصر التنوير، وخاصة في فرنسا والولايات المتحدة. وظلت هذه المفاهيم والأفكار مصدر إلهام للنظريات الليبرالية، والأفكار المجتمعية، والجمهورية المدنية، وفي نظريات الديمقراطية التداولية والتشاركية، وقد اعتبر الكتّاب المعارضون لروسو أنه مصدر إلهام للجوانب الأكثر سلطوية للثورة الفرنسية والنظريات الفاشية والشيوعية.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.