شعار قسم مدونات

وكبُرت دكة الحارة

كان الأطفال والشباب قديما يخرجون من منازلهم ويجلسون على الدكة المجاورة للمنزل أو تلك التي تقبع في إحدى زوايا الحارة، بينما يجلس الكبار غالبا في فناء المنزل أو أمامه على ما يسمى في الحجاز باللهجة الدارجة "المركاز" الذي يعتبر عبارة عن كراسي عريضة من الخشب يختلف ديكورها وصناعتها من "مركاز" إلى آخر.

والأمر ذاته ينطبق على مناطق أخرى مثل "الاستراحة" في الرياض وبعض المدن السعودية، و"المجلس" في قطر، و"الديوانية" في الكويت، وغيرها من الأماكن الأخرى التي يجتمع فيها الناس مثل "المقاهي" وغيرها من مواقع تجمعاتهم للنقاشات الأخوية والحوارات العفوية التي تزيد من ترابطهم، وتُجذر من حبل الوصال بين الأحبة، وتُحيي المودة بين الأهل والجيران والأقارب والخِلان.

واستمرت هذه الطريقة في التلاقي لعقود طويلة حتى ظهرت التقنية مطلع الألفية الثالثة، التي بدأت شيئا فشيئا تُغير من هذا الواقع من خلال ظهور البريد الإلكتروني والمنتديات التي بدأ يلجا لها الناس من أجل الشُروع في توسيع دائرة التواصل والحوارات مع من يتناغمون معهم في الأفكار، وينسجمون معهم في الرُؤى.

فدكة الحارة لم تعد تُشبع شغفهم، ربما بسبب سطحية بعض الرفاق الذين يبحثون عن المظهر لا الجوهر، ويتمسكون بالسردية التي اعتادوا عليها، ويرفضون التجديد، ويخافون من التحديث، ويخشون كل جديد.

كفّرت التقنية عن ذنوب هذه المخاطر المجتمعية عندما فتحت باب العولمة على مصراعيه أمام الجميع، خصوصا الذين يشعرون بأنهم غرباء وسط مجتمعهم

وقد يرون أن مجلس الحي قد أصبح رتيبا بسبب المواضيع التي يُكرر أصحابها أنفسهم، والتي تخضع لمبادئ معينة لا تفتح كامل الفرص للصغار أمام الكبار، ولا تُتيح البوح بكل الأفكار المشروعة وغير المشروعة، وتكره الخروج من الصندوق، وتحب السير في السياق ذاته.

ومن يخالف رؤاهم، ويتزحزح عن ضرورة أفكارهم، وصيرورية توجهاتهم حتى ولو بسؤال بريء سيشعلون عليه نار الهجوم الأبوي، والنفي الاجتماعي، والتشويه المجتمعي، والإقصاء العائلي، ليبقى وحيدا يبحث مجددا عن استعادة مكانه بين أفراد مجتمعه الصغير والكبير.

وقد كفّرت التقنية عن ذنوب هذه المخاطر المجتمعية عندما فتحت باب العولمة على مصراعيه أمام الجميع، خصوصا الذين يشعرون بأنهم غرباء وسط مجتمعهم، فوسَّعت لهم تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي الدائرة، ليجدوا أنفسهم أمام دوائر تبدأ ولا تنتهي في فضاءات التواصل الاجتماعي التي ليس لها سقف ولا حد.

فنفضوا عنهم غبار دكة الحارة، وخرجوا من ضيق المجلس إلى سعة تويتر، ليشرعوا في رحلة البحث عن الشريك الفكري الذي يشبههم، يشبه كل شيء فيهم، يشبه جنونهم وجموحهم وجنوحهم الذي يعشقون فيه الخروج والتأرجح مع تساهيل الحياة المرنة، والتماهي مع متغيراتها المتجددة، والانحناءة أمام تحولاتها المتطورة، والرقص مع مستجداتها، وإحياء علومها باحثين عن روعة الاكتشاف، والاتقاد مع شموس معارفها ساعين خلف البحث فيما وراء طبيعة الأشياء، متسائلين عن أسرار هذه المعاني التي أضفى الكثير عليها قداسة في شتى المجالات شعارهم في ذلك "نحن من نحيي المعاني ونحن من نميتها".

من كان في دكة الحارة لا يجد الموضوع المناسب أضحى يجد رفقة في المساحات الإلكترونية الصوتية والمرئية التي يمكنه فيها أن يقول ما يريد، ومن يتنمر عليه أهل الحي طفق يبني واقعا جميلا في فضاءات التقنية

وقد شكل الخروج من بساطة دكة الحارة إلى عمق فضاءات التقنية الكثير من الأجواء المشحونة مطلع العقد الأخير، نتيجة عن الاستيقاظ المتأخر الذي انتبه فيه الكثير إلى أن العولمة غزت البيوت حتى آخر غرفة، ولم يعد هناك مناص منها.

وقد كشفت لهم هذه العولمة عن وجهها الحقيقي بقدوم مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات العشر الأخيرة تقريبا لتخلط الكل بالكل، وتجمع العالم في وسم "هاشتاق" واحد، وتُصدر عبرها الآراء في تغريدة أو سرد "ثريد"، ويشارك فيها الجميع في صناعة الرأي العام بعيدا عن صفحات الجرائد وتحقيقات الصحافة.

فمن كان في دكة الحارة لا يجد الموضوع المناسب أضحى يجد رفقة في المساحات الإلكترونية الصوتية والمرئية التي يمكنه فيها أن يقول ما يريد، ومن يتنمر عليه أهل الحي طفق يبني واقعا جميلا في فضاءات التقنية، والمثقف المغرور أصبح يجد من يكبح جماحه بالأدلة والبراهين، والأكاديمي المجنون بالقواعد المفتون بالرؤى الثابتة أصبح يجد من يخرجه من ضيق المكتب وصرامة ورتابة قاعات المحاضرات إلى واقع مفتوح يعيده إلى صوابه، وأصبح الكثير يخشى الكذب في المجالس فبحث سريع في غوغل قد يحرجه ويجرحه أمام الحضور.

وهكذا دواليك طفق الناس ينتقلون تباعا من دكة الحارة إلى عوالم التقنية التي تكرمنا كل يوم بالجديد من الاتساع التواصلي الذي لا ندري إلى أين سيصل بنا.

ولكن أولا وأخيرا ستتواصل مسيرة التعلم عبر التغريدات المفيدة والسرد الثقافي الرائع مع الأشخاص الذين فتحوا أبواب قلوبهم لآفاق المعرفة، فقدموا للجميع الفوائد التعليمية، والدرر العلمية، واللطائف الثقافية، والمعارف التراثية بطريقة وسطية معتدلة تقبل الجميع، وتضيف للكل الجوانب المعرفية التي يريدها، مُشبعين بذلك شغف الجميع بالمعرفة التي تخرج عن عباءة المكان وتبعية الزمان إلى عوالم الحكمة التي لا سماء لها فالعالم أصبح قرية صغيرة جدا، وبعيدا عن هذا التحليل الصائب أو الخاطئ يمكنك استعادة الذكريات بالجلوس على دكة الحارة وحيدا ومناقشة أحد المفكرين في تويتر.