شعار قسم مدونات

لعّيب يودع السّاحرة المستديرة

الكرة الرسمية لنصف نهائي ونهائي بطولة قطر 2022 والتي تحمل اسم "الحلم" (مواقع التواصل)

ملاعب مكتظة، مشجعون من كل أنحاء العالم، أصوات تتراقص على نغم السّاحرة المستديرة، متأهلون استثنائيون، مونديال قطري فاق كل التوقعات، أيام حملت في طياتها ذكريات مثيرة لأولئك الذين سافروا لكي يشاهدوا تألق منتخباتهم المفضلة، وتألق دولة قطر في استضافة الحدث المونديالي، ومع توالي أفراح المتأهلين، لا يسع الذين خرجوا مهزومين إلا أن يستعيدوا تلك الصور بكل أطياف ألوان الحياة، كي يمنحوا لأنفسهم فسحة أبدية لاستذكار اللحظات الأكثر إثارة وتميزا في تاريخ كرة القدم، فالجميع دون استثناء، سواء كانوا لاعبين، أو مشجعين، أو مشاهدين، ستظل حكاية مونديال قطر راسخة في وجدانهم وذاكرتهم، كنافذة على قدرة الإنسان في كسب الرهان والتحدي، حينما يتفوق عقله على الظروف المحيطة به.

دوحة الجميع

اقترن اسم قطر بالكثير من القضايا الشائكة في أنحاء العالم، بدءا من رسم جغرافيا اقتصادية لاستثماراتها الاقتصادية والمالية خارج حدودها، وصولا إلى تبنّيها الشؤون الإنسانية المعقدة عبر دعمها لطموحات الشعوب في تقرير مصيرها، وفتح آفاق جديدة للمؤسسات المناهضة للفساد والدكتاتوريات، ومثلما لم تسلم الدوحة من تداعيات دعمها المستمر لما آمنت به عبر طرائق مختلفة، فإنّها لم تُترك في حل من شأنها منذ أن أعلن عن فوزها باستضافة فعاليات كأس العالم 2022، فإلى جانب الاتهامات وحملات التضليل ضد المونديال، تسارعت الأحداث تباعا يوما بعد يوم، كي يشهد العالم الحلم القطري يتحقق في دوحة جمعت الملايين حولها.

ومع بدء فعاليات مونديال قطر 2022، تلاحقت صور الإثارة والتميز التي أزاحت الادعاءات المتكررة للآلة السياسية والإعلامية الغربية، وبدل مشاهدة أرض قاحلة يسكنها أولئك البدو الذين يعتمون العقال ويلبسون العباءات البالية، ويشربون من الآبار على ندرتها، ويرتحلون بخيامهم من مكان إلى مكان، انحنى الغربي على غطرسته إلى النهضة الحضارية والمعمارية التي حولت الإمارة إلى دولة تقوم سياستها على خدمة المواطنين من مشارب متعددة، إذ أبانت الساحات العامة والأسواق الشعبية -وفي مقدمتها سوق واقف- على عبق تاريخي مستمد من شغف عربي بالعود والمسواك والشاي، كل ذلك لم يمثل سوى النزر اليسير من الكرم الذي أضحت الدوحة الشجرة المعطاءة لضيوفها، وكان ذلك حقيقة مع أوّل إشارة لانطلاق مونديال قطر، ضمن كلمة لسمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حين قال: مرحبا بالجميع في دوحة الجميع.

منحت الدوحة للأطياف المختلفة من المجتمع القطري، فضاء خصبا ومرنا للتعبير عن الهوية الشرقية بكل تفاصيلها وتاريخها وجذورها العربية والإسلامية

منحت الدوحة للأطياف المختلفة، من المجتمع القطري، فضاء خصبا ومرنا للتعبير عن الهوية الشرقية بكل تفاصيلها وتاريخها وجذورها العربية والإسلامية، بل إنّ الجغرافيا على صغر حجمها، وكثرة المتكالبين عليها والمتآمرين، أمست في ليلة واحدة من ليالي تشرين الثاني المتغنية ريحها ببحر الشمال، محج النّاس من كل الثقافات والهويات، ليشهدوا النقلة الحضارية للدولة، وجاهزيتها للحدث الاستثنائي، ومثلما وعد القطريون العالم بمونديال استثنائي فريد من نوعه، كان لهم ذلك الوعد حقا على أن يكتبه القائمون على عشّاق الساحرة المستديرة بأقلام الذهب الخالدة، داخل الملاعب التي باتت تلقي بظلال تنبؤاتها المثيرة خارج أسوار صفارات الحكام، نتائج غير متوقعة لكل مباراة، وعبر البيوت والأسواق والمقاهي التي ظلت ترقب تحدي المنتخبات العربية لأقوى المنافسين، كانت الأصوات المناصرة تعلو ترانيمها بأعلام فلسطين وتواشيح نضالها.

قد تكون فكرة المونديال حلما عابرا لدى الكثيرين ممن آثروا التشويه والتزييف، على تلك اللحظات الصاخبة بالمتعة والقصص المثيرة، وبطريقة معينة قد يصف الذين وطأت أفئدتهم الأرض القطرية، أنّ ما كان مستحيلا وجنونيا بات اليوم في أبهى سمات الالتقاء الإنساني، إذ أتاحت الفعاليات الاجتماعية والثقافية على هوامش المونديال رسم لوحة فنية لا يحدها إطار ولا يلهمها معلم واحد، كان ثمة إبداع يفوق كل التصورات الحاضرة في وجدان عشاق الساحرة المستديرة، ومثلما بدأت عملية تشكيل الصور التي تتناقلها القنوات عن روعة المونديال، فإنّ الانتقال من لبنة الانطلاق إلى تجسيد الحلم الذي وقع على أرض خصبة، كان لزاما أن تمنح بِنَفَسها العربي وسياسات قاداتها الرشيدة، واقعا يعايش الحلم الذي رسمه الأمير الوالد حينما أُهدي القميص الرياضي الذي كان يرتديه في شبابه.

ودع لعّيب مونديال قطر ومعه تلك الملاعب التي ستفكك ويذهب معظمها هبات للدول الفقيرة، لكنه سيحتفظ بتلك الإنجازات المذهلة التي تعاقبت محافلها المتميزة، ليس في ذاكرة القطريين فحسب، بل في وجدان شعوبنا العربية

إنجاز يفوق المستحيل

دورة المونديال لسنة 2022 نسخة فريدة من نوعها وفق ما صرّح به رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، ذلك التفرّد لم يكن متعلقا بالملاعب ذات الطابع الحضاري والابداعي المذهل، أو حجم التنمية للبنى التحتية للدولة فحسب، بل كان أمرا يفوق كل التصورات الرياضية والثقافية وحتى السياسية التي كانت حروبها على المونديال عبثية، ما تفرّدت به الدوحة في إسماع صوت الحقيقة الذي ظل جاثما عليه من طرف المؤسساتية العالمية، حتى وإن كان ذلك السماع على قدر يستحيل معه الاستمرار لسطوة أولئك الذين يراوغون مع كل اتفاقية اقتصادية، إلا أن مونديال قطر نجح في أن يجعل الرياضة رياضة بكل ما تحمله من شعارات إنسانية تضامنية من دون انحياز فاضح.

ودع لعّيب مونديال قطر ومعه تلك الملاعب التي ستفكك ويذهب معظمها هبات للدول الفقيرة، لكنه سيحتفظ بتلك الإنجازات المذهلة التي تعاقبت محافلها المتميزة، ليس في ذاكرة القطريين فحسب، بل في وجدان شعوبنا العربية التي لامست وحدتها مع الفوز المغربي الكبير، ومع تألق الدوحة طيلة شهر من الفعاليات الجامعة للثقافات المتنوعة، ولعل لعّيب وهو يودع الساحرة المستديرة حق له أن يمنح أولئك الذين آمنوا بحلمهم وسام الشرف على ما بذلوه في سبيل تحقيق المستحيل الذي راود الملايين من شعوب المنطقة.

سيبقى مونديال قطر 2022 حدثا استثنائيا فريدا في تاريخ الساحرة المستديرة

سيبقى مونديال قطر 2022 حدثا استثنائيا فريدا في تاريخ الساحرة المستديرة، فقد حمل إلينا منذ اللحظات الأولى أنّ ما من كبار يمكنهم الاستحواذ على الألقاب، وأنّ الرياضة قيمة مشتركة بين شعوب الأرض قاطبة، فهي مع ما تمنحه من تسلية وقوة وتحدٍ، كذلك تثبت بما لا يدع للشك إمكانات العمل المشترك والمتفاني لمن سعى في تحقيق إنسانية ذات خصوصية، تحتكم لأعرافها وتقاليدها، ومحترمة للآخر الذي لا يتوانى للانحياز للسردية الغربية، ولعل تعالي الأصوات في سماء الدوحة، في لياليها المضيئة، لم يكن إلا عرسا قطريا بامتياز.

ستنطفئ الأضواء في الملاعب، وسيعود المشجعون إلى أوطانهم، وفي حقائب رحلتهم الكثير من اللحظات التي سيروونها إلى أصدقائهم في المقاهي، سيرتمون إلى صورهم وقصصهم الكثيرة، تاركين خلفهم أرضا عربية استحقت بكل جدارة وفخر، مع ما أبدعت فيه، أن تكون دوحة جامعة، وعاصمة للساحرة المستديرة، غير أنّ الروح التي تفانى القائمون على المونديال في تعزيزها والعمل على تحريكها، كانت راسخة في وجدان كل عربي من المحيط إلى الخليج، روح آمنت من دون شك أنّ المستحيل لم يكن سوى حجر في بحر العمل الجاد، وأنّ إيمانها المطلق بإمكانية تحقيق مجتمعات قادرة على صناعة نموذجها الحضاري الخاص ليس ببعيد.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.