شعار قسم مدونات

لم يكن فوزا كرويا.. أسود الأطلس ينتصرون للأمة

فرحة عارمة لمنتخب المغرب بالتأهل إلى نصف نهائي كأس العالم
فرحة عارمة لمنتخب المغرب بالتأهل إلى نصف نهائي كأس العالم (الفرنسية)

قبيل انتهاء مباراة المغرب والبرتغال في دور الثمانية، وثق أحد الشباب المصريين من صعيد مصر دقائق المباراة الأخيرة، التي كان يشاهدها في مقهى مع العشرات، من خلال البث المباشر عبر منصة فيسبوك، يصاحبه تعليق غاية في الإحساس، ومع تفاعل نابع من القلب وصرخات ملؤها القلق، فعندما نحب ترتبط مشاعرنا بالخوف وبالقلق، كان الشاب يصرخ محذرا تارة ومحفزا تارة أخرى، وقبل اللحظات الأخيرة بدأ يصرخ: التاريخ يا مغاربة، نريد أن ندخل التاريخ. وعندما انتهت المباراة بفوز المغرب، تعالت الصيحات فرحاً في المقهى واحتضن الجميع بعضهم بعضا.

مشهد الشاب الصعيدي في مصر تكرر في فلسطين، رغم القمع والحصار، وفي سوريا رغم القصف والقتل، وفي تركيا المنفى الاختياري لآلاف الأحرار الذين لم ينسوا وطنهم وإن جار عليهم فهو عزيز، وأهلهم وإن ضنوا عليهم يظلون كراما، خرج العرب من المغرب والجزائر وتونس في مشهد سحق الخلافات وأذاب الحدود، وخرج معهم المصريون والسوريون واليمنيون والعراقيون والصوماليون والسودانيون، ومن لم يخرج شارك الفرحة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكما الحال في تركيا أتتنا فرحة المغتربين العرب متضامنين من كل بلاد الاغتراب، في مقاطع أعادت روح الأخوة في الإسلام والعروبة.

وإن كان هذا الفوز هو فوز في مباراة تأهيلية في بطولة هي الأهم، ولم يكن فوزا بالبطولة نفسها، لكن رمزيتها في الإنجاز الذي حققه الفريق المغربي بتأهله للأدوار النهائية، وهو الإنجاز الذي لم يحققه فريق عربي من قبل، هو إنجاز بطعم الانتصار للذات العربية والإسلامية، انتصار على الخلافات المصنوعة بعناية لتفرق أمة واحدة، من المفترض أنها خير أمة أخرجت لهذا العالم، إذا اتخذت من منهاج قائدها طريقا، واعتصمت وتوحدت.

هذه الفرحة التي عمت الأمة من كوالالمبور إلى فاس من أجل إنجاز كروي، تحمل في طياتها حلم الفوز الحضاري، وتجاوز الإخفاقات التي تصنع ليل نهار من أجل أن تعيش هذه الأمة انكسارات متتالية تبقيها رهينة إحباطها.

لقد كان علم فلسطين الذي رفع في ملاعب بطولة كأس العالم في كل مبارياتها، رمزا لعروبتنا وإسلامنا، ولم يكن كما أراده قلة احتفاء ببقعة جغرافية مظلومة، نعم استطاع الفلسطينيون أن يحركوا مشاعر العرب، كل العرب في هذه البطولة استفادوا بإعادة قضية الأمة وليس قضيتهم إلى الواجهة، لكن ذلك لم يكن ليحدث لولا أن هذه الأمة لا تزال حية وتعرف بوصلتها، لقد رفع العرب علم فلسطين رمزا لقضية عربية إسلامية تمثل آلام العراق المجروح منذ 2003 وسوريا المكلومة منذ 2011 والربيع العربي الذي سرق ولا يزال في تهافت الأكلة على قصعتها.

علم فلسطين وفرحة العرب والمسلمين بفوز المغرب هما تنفيس عن رغبة دفينة بتحقيق ما لا نستطيع تحقيقه لقلة الإمكانات، دعوات الشباب والنساء والعجائز للمغرب هي دعوات القاعد للمجاهد، فرحة العرب والمسلمين بفوز المغرب هي فرحة العرب للتونسيين يوم أطاحوا ببن علي. وترقب الشاب الصعيدي وخوفه في الدقائق الأخيرة لمباراة المغرب، هو ترقب العرب قبيل إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في مصر وإعلان فوز الرئيس محمد مرسي، وهكذا أكد العرب والمسلمون أن تلك الروح التي تسري في أجسادهم هي روح واحدة، وإن اختلفت أشكالهم وألوانهم.

لعل ما أعطى زخما لهذه الروح هي تلك الحالة التي صنعتها قطر بمواقف مقدرة ومحترمة أعادت للأمة كينونتها بمبدأ على الضيف أن يحترم قواعد المضيف، فكانت الهوية العربية الإسلامية مفروضة في بلد عربي مسلم له محدداته الدينية والثقافية وتحكمه أعراف مستقاة من تلك المحددات، من غير تضييق ولا تكتيف، هذه الحالة التي أعادت للعرب والمسلمين ثقتهم بأنهم أنداد وليسوا أتباعا، وما يحاول الغرب أن يمليه علينا فات موعده، وعليهم أن ينظروا إلينا بالحجم الذي نستحقه كأمة لها تاريخ وتمتلك من المقومات ما يمكنها من العودة لمصاف الدول المتقدمة، لو تهيأت لها الظروف.

شهر، أو يزيد قليلا، استطاع العرب والمسلمون أن ينقلوا صورة حقيقية لهويتهم وحضارتهم المتسامحة مع الأضداد، فرغم إنفاق أعداء هذه الأمة مئات المليارات من أجل تشويه صورة المسلمين والعرب، سواء بصناعة صورة ذهنية بأن العرب والمسلمين هم صانعو الإرهاب ويحملون الكراهية للبشرية ويعشقون الدماء، أو من خلال تصويرهم على أنهم أصحاب مال وشهوانيون، فإن هذه الصورة تلاشت من خلال الحالة العربية والإسلامية الموجودة في قطر لحضور كأس العالم، ومن خلال إدارة قطر لخطة تغيير الصورة النمطية للعرب والمسلمين.

نحن أمة تنتظر الفرصة كي تبدع، كي تنتصر، كي تخرج من القمم. إن فوز المغرب على البرتغال هو إشارة لما هو آت، علينا فقط أن نستثمر هذه الإرادة والإصرار لكي نكسر المستحيل، كما فعل فريق المغرب، ولعل فوز المغرب الذي رفع رأس العرب والمسلمين هو البداية، وما علينا إلا أن نحكي نجاحاتنا كل يوم حتى نستعيد ثقتنا بأنفسنا، فالنجاحات كثيرة، لكن هناك من يريد أن يحجبها.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.