شعار قسم مدونات

لا تجعل رانك يكبر!

Human heart with blood vessels
الكاتب: قلوب الناس مختلفة فبعضهم غشى قلبه ران الخطيئة فأعماه عن رؤية الحق! (شترستوك)

القلب أساس جميع البدايات عند الإنسان، وهو مكمن الإيمان من عدمه، فهو مضغة صغيرة تشكل إحدى أهم المعجزات في الإنسان، وبصلاحه تستقيم حياة الشخص، وبفساده يفسد كل شيء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) رواه البخاري.

وقد يسافر الإنسان بقلبه وهو في مكانه! وقد تتبدل آراؤه بعدد نبضات قلبه، ولذلك سمي القلب قلبا لتقلبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء، اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك) رواه مسلم.

وقلوب الناس مختلفة فبعضهم غشى قلبه ران الخطيئة فأعماه عن رؤية الحق! وبعضهم تاه باحثا عن قلبه المفقود في زحمة المتشابهات المتشابكات! وثالث ضاع قلبه في تفاصيل الحياة، فانغمست أقدامه في وحل الحيرة التي يبحث فيها عن نفسه الضائعة في عالم النسيان.

وهذا ما يجعل قلوبنا في حاجة ماسّة إلى رحلة تنظيف وتجديد دائمة، لكي نصل إلى الله سبحانه وتعالى كما يريد منا في سورة الشعراء: (إلا من أتى الله بقلب سليم) (89).

ويكون هذا التنظيف بتعاهدها بكل الأعمال التي تزيل عنها ران الذنوب، وسواد الخطايا لكي نتدارك أنفسنا قبل تجذّر الران عليها كما قال الله في سورة المطففين: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (14).

فالران هو الندوب التي تتكاثر على القلب بتزايد الذنوب فتبعد الإنسان شيئا فشيئا عن البصيرة التي إذا فقدها سيصدق فيه قول الله سبحانه وتعالى في سورة الحج: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (46).

وإذا ابتعد عن البصيرة ابتعد عن الهداية، ليصبح وصفه كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) (125).

وعلى الإنسان أن يتحسس الإيمان في قلبه خصوصا أنه يزيد وينقص، ويعمل على تنقية قلبه من ران الذنوب قبل فوات الأوان، مستبشرا في ذلك بقوله سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (69).

منطلقا بخريطة واضحة وببوصلة بيّنة في رحلة الطهر والنقاء، تلك الرحلة التي تحمل شعار "التخلية قبل التحلية" من أجل اغتنام الهدية الربانية بالهداية الإنسانية في سورة طه: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) (82).

ولكي تكون قريبا من الله، مؤمنا به بقلب نقي، فإن عليك أن تفحص قلبك، وتنظر ماذا بقي منه؟ وتعرف ماذا يحتوي من خير، أو شر؟ وكيف يتقلب؟ وبأي نبض يتحدث؟

ولأن النية مقرها القلب الذين تبدأ منه جميع الدروب ولذلك هي مناط العمل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري.

ولأن الأصل الحقيقي يكمن فيما انعقد عليه القلب، وليس فيما رآه الناس؛ فعلى الإنسان أن يعرف هل نواياه سليمة؟ أم أصابتها شوائب الرياء والسمعة؟ كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النساء: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) (142).

وكلما تنظف القلب من درن الران استطاع من خلاله الإنسان أن يصل إلى القرار المناسب خصوصا عندما تتساوى الخيارات أمامه فلن يحتار فيها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) صححه الألباني.

وسيبقى القلب هو الأساس الذي تقوم عليه حقيقة أعمالنا، وفيه تستيقظ أو تموت ضمائرنا، وبه ننال حسناتنا أو سيئاتنا، وفيه نعرف حقيقة ذواتنا، فكما هو الأساس بنبضاته لبقاء حياتنا، هو أيضا أساس عباداتنا ومعاملاتنا.

وكل هذه الخواص تمنحه مكانة معتبرة بين جميع أعضائنا، وتجعله ركيزة حياتنا في صحتنا وعافيتنا البدنية والنفسية والروحية، وهذا ما يجعل تطهيره حاجة لا ترفا، وتنقيته من الأصول لا الثانويات والعناية به جوهر حياتنا الذي نكسب به ذواتنا، ونستعيد به عافيتنا في كل شيء، كما قال جلال الدين الرومي "كن كالثلج الذائب طهر نفسك من نفسك".

ويعبر عن وصف قصتنا مع تطهير قلوبنا هذا النص المنقول الثمين: "تفيأ، فللمرء راحات بداخله، كيف بك ولك من دمعك الوافر غسول مستودع في إناء محبة، يحنو عليك كلما اغترفت منه، وزوادتك من أديم السماء مصنوعة، ونفسك هطّالة ينتهي ساحلها عند مصبّ فراديسك، ولك منك ساق كوثري القدح دوما ما يجلس تحت ميزابك الذي يهمي. ولا عجب، فكلما مررت به ناولك من البهجة إكسيرا، وغدوت متموّها ببرد السكينة، وطقسك لا يشيخ، فأنت من كل الجهات ماطر، وحدائقك ريانة العروق من احتضانك إياك.. ألا ترى يا شبيه السحابة أنك تمطر نفاسة".