شعار قسم مدونات

عالم الصناعة لا يقبل الأوهام والارتجال

ترويج الاقتصاد والناس - الصناعة الفلسطينية وعراقيل الاحتلال
الالتفات للصناعة العصرية اليوم يعني إعفاء المجتمع من الآفات الاقتصادية (الجزيرة)

الأحلام الوردية التي قد يعيشها البعض في عالمه الخاص هي ملك حصري له، ولكن المواقع العملية وميادين البذل والتفاعل مع متطلبات السوق والزبائن والعرض والطلب وتحديد السلع والمنتجات والتنقل بين الأفضليات والأولويات هي مهارة لا يتقنها أي أحد، ولا ينجو من براثنها إلا من تمتع بمنسوب من الوعي والفهم يجعله قادرا على النجاة والنجاح بحسب هذا المنسوب من الوعي والتخطيط وإدارة المواقف والأزمات، لا سيما في وقتنا الراهن.

إن تجربتنا الذاتية في قطاع العمل الصناعي التي تمتد على مدار أكثر من أربعين عاما، قد كشفت أمامنا الكثير من المحطات التي يجب على العاملين في قطاع الصناعة التوقف عندها، لا سيما بعد الثورة التكنولوجية الكبيرة التي تهز العالم اليوم، والمتغيرات التي لا تترك للنمط التقليدي أي مجال للمنافسة، ومن أبرز هذه المحطات: التجديد المطلوب بشكل مستمر في كل مجالات التفكير والتخطيط والتنفيذ وانتقاء الوسائل، وصولاً لمراحل التقييم والتقويم.

التحديات الجاثمة في وجه الشعوب العربية اليوم، والشعب الفلسطيني على وجه التحديد، تتطلب الوقوف أمام الواقع بصورة حقيقية ومسؤولة

التحديات الجاثمة في وجه الشعوب العربية اليوم، والشعب الفلسطيني على وجه التحديد، تتطلب الوقوف أمام الواقع بصورة حقيقية ومسؤولة، فالمجتمع يحتاج أسس قيامه، والصناعة اليوم بما تشمله من مسارات التوريد الشامل لمجالات الحياة المختلفة، لا سيما القطاعات الزراعية والطاقة والمياه والتوطين المثمر للصناعة، فالالتفات إلى الصناعة العصرية اليوم يعني إعفاء المجتمع من الآفات الاقتصادية التي تعصف وستعصف بالمجتمعات نتيجة الواقع الذي نعيشه، والذي لا تخفى تداعياته على الصغير والكبير، فهذا التحدي الحقيقي والمصيري يحتاج إلى نمط تفكير جديد، نمط يعتمد على التكنولوجيا العصرية، والآلات الصناعية التي تؤمّن للمجتمعات الحد الأدنى من الكفاية في مجالات الحياة العامة، غذاءً ودواء وطاقة.

ملف التشبيك الواعي بين المؤسسات الصناعية فكرة ريادية يتطلبها الواقع كذلك، فنحن اليوم بحاجة إلى منهجية تشبيك واع بين المؤسسات الصناعية حتى تتمكن من صناعة المشروعات المنتجة في المجتمع بمستوياتها الصغيرة والكبيرة، لتنتشر ظاهرة الإنتاج، ونستغني تدريجيا عن الاستهلاك القاتل، هذا الاستهلاك الذي بات صفة سلبية تستنزف الفرد والأسرة والمجتمع على حد سواء.

لا بد من رسم إستراتيجية وطنية شاملة تضمن التوزيع العقلاني والواعي لمصادر الصناعة المطلوبة وأشكالها ومجالاتها، والاستفادة من المؤسسات والشركات العاملة في مجال الاستيراد والتصدير والتصنيع الذاتي للآلات

وحتى تنتج هذه الشراكات الأثر المطلوب منها بشكل مؤثر وإيجابي، لا بد من رسم إستراتيجية وطنية شاملة تضمن التوزيع العقلاني والواعي لمصادر الصناعة المطلوبة وأشكالها ومجالاتها، والاستفادة من المؤسسات والشركات العاملة في مجال الاستيراد والتصدير والتصنيع الذاتي للآلات لتأمين ما يمكن تأمينه في مجالات الكفاية الذاتية في المجال الغذائي والدوائي والطاقة والمياه ونحوها، وتوزيعها جغرافيا على المدن والقرى والأرياف لتصبح مواطن قوة فعلية لهذه التجمعات البشرية في ظل أي أزمة متوقعة.

الخطوة الثانية التي تصب في هذا الاتجاه هي التوسع في مجال الصناعات المطلوبة مجتمعيا، بداية بالطاقة التي تقوم عليها وسائل الصناعة والتكنولوجيا العصرية، وصولا للموارد الأساسية في جانب الغذاء والماء والدواء، ليكون لدى كل تجمع بشري ما يحتاجه من موارد الحياة المبدئية التي يمكن بعدها له أن يقوم بواجبه العام، حتى لا يقع فريسة الضياع في ظل الأزمات المتلاحقة.

رسالتي اليوم لجيل الشباب المتعلم، أن يبادر بشكل فوري من أجل التدارس العقلاني لما يمكن تحقيقه في واقعهم من المشروعات الصناعية

يلي ذلك بالضرورة، أن يتم التنسيق بين الخبراء في مجال العمل الصناعي لتأسيس المشروعات الأكبر فالأكبر، بحسب الوسع والطاقة والقدرات المادية والبشرية المتاحة في كل مجتمع، فهذا يتيح للمجتمعات أن تتمتع بخبرات شبابها ومهندسيها وخريج جامعاتها وقدراتهم العقلية، وأن تلجأ لنمط الإنتاج بعيدا عن أغلال الاستهلاك السلبي، والاعتماد الكامل على الموردين من الخارج، والمستوردين الذين يغرقون الأسواق بالمنتجات الأجنبية، فمجتمعاتنا اليوم تمتلك كل الموارد الأساسية في متطلبات الحياة اليومية، أو هي قادرة على تأمينها في فترة وجيزة إذا تضافرت الجهود لتحقيق ذلك.

ورسالتي اليوم لجيل الشباب المتعلم، أن يبادر بشكل فوري من أجل التدارس العقلاني لما يمكن تحقيقه في واقعهم من المشروعات الصناعية، وما هي أشكال الطلب الموجود في كل تجمع بشري يعيشون فيه، صغيرا كان أم كبيرا، فهذه البداية ستتيح لهم دراسة ميدانية لحاجات المجتمع وأذواقه وأنماط الاستهلاك الموجودة فيه، وهو ما يعطيهم التصور الفعلي للحاجات الأساسية التي يحتاجها المجتمع كأسس للكفاية في مجالات الطاقة والغذاء والدواء، فالشباب المتعلم اليوم هو البوصلة الحقيقية لنجاة المجتمع وصموده في مواجهة أزمات الواقع التي لا تهدأ.